روحاني.. عقلية الحذر والأمل / بقلم : القاضي ناصر عمران الموسوي

بثنائية الحذر والأمل وبجلباب الاعتدال وجد الشيخ حسن روحاني نفسه رئيسا ً سابعاً لجمهورية إيران الإسلامية في واحدة من التجارب الانتخابية الإيرانية المنفتحة على قراءات متعددة ، والتي تختزل بداخلها الكثير …!
وإذا كانت الانتخابات آلية ديمقراطية بعيدة بذاتها عن التوظيف الستراتيجي و الوسيلة الفاعلة في تحقيق الهدف السياسي كنتيجة ترتسم من خلالها ملامح التشكيلة السياسية المنتخبة عبر مخاضات صناديق الاقتراع ،إلا أن الملاحظ في الانتخابات الإيرانية  إنها أفرزت عقلية سياسية تماهت في خطاها بشكل توظيفي كبير مع الانتخابات كآلية ونتيجة وكوسيلة وهدف في تحقيق الرؤى السياسية التي أجادت بشكل كبير المسك بإدارة اللعبة السياسية وخلق مساحات تحرك جديدة عبر منافذ شكلت آلية جديدة في التعامل مع الداخل والخارج دون ان يحسب عليها تكتيك الضعف والتخلي عن موقفها وهي التي تعيش الحصار والأزمات المتعددة، وبالقراءة السياسية لمجمل العملية الانتخابية نستطيع ان نؤشر ملامح كبيرة للستراتيجية الإيرانية  القادمة أهمها :
إن الداخل الإيراني  كان بحاجة إلى( المشترك السياسي التصالحي) الذي تجسد بالشيخ حسن روحاني وخط الإصلاحيين الذين كانت لهم اليد الطولي في فوز روحاني والمحافظين الذين شاركوا الإصلاحيين بالدفع بروحاني للرئاسة بقصد او بدون قصد عن طريقة النزول إلى الانتخابات بمرشحين متعددين الأمر الذي دفع عن روحاني مشقة جولة أخرى بعد أن انتزع أصوات أغلبية الناخبين دون أن يكون هناك تصالح على ارض الواقع ،لذلك  كانت الولادة الانتخابية بالرغم من صعوبتها كثيرة الاهداف والمرامي منها:
1- تحصين الوضع الداخلي لإيران  في أن يكون بمنأى عن أحداث ربيعية شبيهة بما تشهده تركيا وما شهدته قبلها دول الربيع العربي ،وهو ما حاولت إيران دفعه عبر الترويج  إعلاميا بأن ربيعها كان انتخابيا ً،وما يشهده الشارع الإيراني من احتفالات الإصلاحيين هو مثال تطبيقي لذلك ، إضافة لما ستشهده كابينة الحكومة الروحانية الجديدة من وجود شخصيات إصلاحية  تؤكد  نجاح إيران في  تجاوز  أحداث انتخابات 2009التي كانت حاضرة بقوة في ذاكرة الإيرانيين.
2- ان الإصلاحات الاقتصادية  المهمة مرتبطة بشكل  كبير بعلاقات إيران الخارجية ،فالأزمة الاقتصادية والعقوبات المفروضة  نتيجة للسياسة الخارجية الإيرانية وعلاقتها بالغرب والولايات المتحدة الأميركية وتركة حكومة (احمدي نجاد ) طوال ثمان سنوات من حكمها التي احرق خلالها جسور التواصل بينه وبين الغرب ،و بالرغم من مواقف  المرشد الأعلى   الداعمة لموقف روحاني الا انه وفي الكثير من أقواله و في خطبه فتح الباب أمام حوار مباشر مع الولايات المتحدة الأميركية  بضمانات ، وهو ما شكل احد أهم أهداف الحملة الانتخابية للشيخ حسن روحاني ،وتشكل نقطة الحوار المباشر بين إيران وأميركا بالنسبة اليه مفتاحا مهما لبرنامج السياسة الايرانية الجديد ،حيث ستحاول من خلاله إيران أن تمسك عصا الرؤية المستقبلية للمنطقة التي تتغير مشاهدها بسرعة فإيران وان شكلت تحالفا قويا مع روسيا وبخاصة في الأزمة السورية فهي لا تريد ان تلقي بيضها بالكامل في السلة الروسية الباردة ،فهي مدركة وبمنطق السياسة إن لا عداءات دائمة وإنما هناك مصالح مشتركة ،والخوف من (سايكس _بيكو) جديدة ربما تكون إيران  بضمنها ، والضمانة الحقيقية أن تكون بين إيران والولايات المتحدة الأميركية (شعرة معاوية).إن انعكاس الوضع الخارجي على أزمة إيران الداخلية ستتم معالجته وفق رؤية الرئيس الجديد  بسياسة الخطوة بخطوة في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية والغرب ، بمعنى ما ستقدمه إيران وبخاصة في برنامجها النووي لابد ان ينعكس إيجابا على حل أزمتها الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها وبخاصة من الولايات المتحدة الأميركية ،لذلك فالمتوقع ان تكون المفاوضات جدية بين طرفين  وتنعكس إيجابا على الداخل الإيراني وبرنامجها النووي وما تتمخض عنه المفاوضات سيكون جهدا ً حكوميا ً خالصا ً وربما ستكون هناك معارضة محافظة على نتائج المفاوضات لكنها تدخل ضمن مظلة سترتيجية التعامل والاحتواء لمخاض المنطقة .
3- وبغية خلق بيئة نقية وتجنب الزج بالمنطقة في أتون الاحتراب الطائفي فسيكون التقارب الإيراني مع المملكة العربية السعودية وصفة وقائية  ربما تجنب  المنطقة  زمنا قادما مخيفا بفعل التجاذب الطائفي  وقد بدت علائم واضحة للتقارب  من خلال الرسائل المتبادلة بين الطرفين عبرت عن رغبة مشتركة بين الطرفين للتواصل ،وهو مايؤدي الى خنق المشروع القطري الهادف لإيجاد ربيع سعودي وإيراني في المستقبل ، إضافة إلى ان هذا التقارب سيضع الكثير من الحلول و سينعكس على الأزمة السورية والمشهد البحريني وأوضاع المنطقة الشرقية في المملكة وسيكون  (مؤتمر جنيف 2)   في حالة انعقاده بهندسة (إيرانية سعودية) في مجاله التنفيذي وسيكون الحضور فاعلا بين الطرفين ،فالسعودية أمسكت بزمام المعارضة السورية بعد أحداث تركيا ومشهد الأسرة الحاكمة في قطر وتفويت الفرصة على المشروع القطري الذي يهدف لإشعال الفتنة الطائفية التي ستطال نيرانها بقوة السعودية وإيران ،لذلك ليس غريبا أن تكون  السعودية المحطة الأولى لروحاني .
اما على الصعيد الخارجي فقد نجحت إيران في تقديم الرئيس الجديد بمقبولية كبيرة تتيح له ان يكون محاورا مهما في رسم علاقات جديدة تصلح ما أفسدته حكومة نجاد ،فالأمل الموعود مبني على واقعية كبيرة في التعامل بعيدا ً عن الإفراط في التفاؤل فالحذر قرين كل الخطوات التي ستقدم عليها الحكومة وبثنائيتين الأولى مبدئية عقائدية مستندة إلى ثوابت الثورة الإيرانية والثانية الخروج من العزلة والحصار وضرب طوق العدائية المفروض على إيران ،وإعادة تأهيل إيران الجديدة ضمن واقع يفرض نفسه على الجميع في إطار رؤية جديدة لإيران من قبل دول الغرب ،وهو امر كانت ايران في امس الحاجة اليه للانطلاق بستراتيجية جديدةتعتمد على مخاضات الشأن الإقليمي والدولي ،فإيران  الإصلاحية  المعتدلة لها رؤيتها المختلفة ، وهو أمر نجحت إيران في الترويج له بل ان روحاني آثر ان يكون أكثر حذرا في التصريح عن ستراتيجيته  وما رشح منه خلال مؤتمره الصحفي الأول هو ردود فعل لما تمت الاستجابة اليه وبشكل دبلوماسي عكس حذره الشديد الذي يعول عليه أكثر من الأمل .
الجميع يعرف ان هناك خطوطا مهمة تقف عندها الرؤى المتطلعة للرئيس الجديد وإمكانية العمل ضمن هذه المساحة وفي حالة محاولته الخروج او النفاذ منها ،سيصطدم بمحدودية صلاحياته كما حدث مع الإصلاحي محمد خاتمي وكذلك مع المحافظ احمدي نجاد ،إلا إذا كان لروحاني في ظل التداعيات الكبيرة للداخل الإيراني  والإقليمي والدولي استثناء خاص ًيستطيع فيه تقدير المصلحة العليا ،وبخاصة انه نتاج مؤسسات استشارية داخلية  وخارجية ومفاوض للبرنامج النووي لفترة ليست بالقصيرة ، ان المهمة الرئاسية الستراتيجية التي يضطلع فيها الشيخ حسن روحاني هي مرحلة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية وبخاصة لو أن عواهن الأمور اتجهت نحو احتراب أممي في سوريا ،ان ذلك بالتأكيد حاضر بلحاظ رئيس إيران الجديد الذي يعرف ان أمله مرتهن الى حذر قد يشكل عائقا ً دون تحققه ، كل ذلك سيسطره تاريخ الرئيس الفرد وإيران المجموع.

حجز الفنادق

الوسوم:
One comment on “روحاني.. عقلية الحذر والأمل / بقلم : القاضي ناصر عمران الموسوي
  1. يقول علي:

    تحياتي الى القاضي الكريم
    ان انتخابات ايران هي مجرد لعبة يدورها الولي الفقية مرشد ايران و كما تعلمون لا يمكن أن يترشح شخص يعارض الولي الفقية فمثلاً استبعاد الشيخ الرفسنجاني عن الترشيح دليل على عدم وجود انتخابات نزيهه في ايران نأمل الشيخ روحاني ان يكون معتدل في الاعمال ينصف شعبه و أن يكون قادر على التغيير في السياسة الخارجية الايرانية بالأخص تجاه العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*