رجل تركيا المريض / بقلم : صادق كاظم

لم يكن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الخارج من عباءة اعرق الاحزاب الاسلامية في تركيا ليتخيل ان مشروعه السياسي النموذجي الذي بذل اعواما طويلة في صناعته وتهيئته وتصديره الى المنطقة سيتهاوى بهذه السرعة الكبيرة بعد تصاعد حدة النقمة الشعبية التركية عليه وتخلي اقرب حلفائه عنه .
لقد كان وصول اردوغان الى منصب رئاسة الحكومة في تركيا انجازا يحسب له ولحزب العدالة والتنمية الذي نجح في كسر قواعد اللعبة السياسية وانهاء احتكار الاحزاب القومية للسلطة وعدم نجاحها في مواجهة الازمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بتركيا طوال العقود الماضية المليئة بالصراعات الدموية  ،حيث شكل هذا الفشل دافعا لدى الناخب التركي للتصويت لحزب اردوغان رغبة في التغيير وتجريب هذا الحزب الذي لم يصل الى السلطة من قبل باستثناء فترة زعامة اربكان زعيم حزب الرفاه الاسلامي للحكومة لفترة بسيطة بعد اعتراض المؤسسة العسكرية التي تحرم دخول الاسلاميين الى قصر الحكومة التركي ضمن تقليد متوارث منذ عهد الزعيم التركي اتاتورك .
جاءت الفترة الاردوغانية لتركيا بمثابة تحول في السياسة ،حين تقرب من العالم العربي والاسلامي بشكل كبير ودخل في تحالفات سياسية مع سوريا وايران ،اضافة الى لهجة خطابية معادية لاسرائيل .هذا الانفتاح السياسي رافقه نشاط اقتصادي كثيف ،حين استحوذ الاتراك على نسبة كبيرة من الاسواق في البلدان العربية انعشت الاقتصاد التركي ورفعت من نسبة العائدات التي حصلت عليها نتيجة لتصدير بضائعها الى العالم العربي والاسلامي .
كان نموذج حزب العدالة في الحكم شكلا يطمح اليه الغرب الذي ساند سياسة اردوغان الانفتاحية على المنطقة لتعميمها على الاحزاب والشعوب العربية والاسلامية باعتباره نموذجا معتدلا في مواقفه وصديقا للغرب ولواشنطن في مواجهة الاسلام الراديكالي المتشدد  .
لقد كانت دوافع اردوغان من سياسته العربية والشرق الاوسطية هي اعادة تصدير النموذج العثماني التركي السيئ اليها وتكريسه كزعيم لها تعود اليه الشعوب والزعامات العربية كمرجع لها في مواقفها وبرامجها السياسية والاقتصادية وتشكيل محور عربي تركي يقوده اردوغان يستفيد منه اردوغان بشكل شخصي .
هذا المشروع الخيالي وبالرغم من انه حقق بعض النجاح في البداية ،الا انه اصطدم بجهل اردوغان الواضح بامور المنطقة  الدقيقة والحساسة ،اضافة الى موقفه المتشدد من الازمة السورية والتي كانت امتحانا صعبا لاردوغان الذي حاول ان يستغل ظروف النزاع فيها لصالحه عبر تشجيع الفصائل المسلحة المقربة منه وتقديم العون لها لاسقاط النظام ،اضافة الى التصريحات والخطب التي ادلى بها اردوغان والتي هدد بها النظام السوري متوعدا باسقاطه في اقرب وقت والتي مثلت موقفا منحازا الى جانب المعارضة السورية ضد نظام الحكم . هذا الموقف اعتبرته دمشق منحازا ضدها وتدخلا بشؤونها ما دفعها للرد عبر دعم عناصر حزب العمال الكردستاني والذي شن عمليات هجومية دامية في العمق التركي وفتح جبهة جديدة ارهقت الجيش التركي واثارت غضب جنرالات الجيش التركي، وذلك قبل اتفاق هذا الحزب مع الحكومة التركية .
اردوغان لم يكتف بالتدخل في الشأن السوري ،بل تدخل ايضا بالشأن العراقي عبر مهاجمة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وتوجيه التهم له بالطائفية ما دفع رئيس الوزراء للرد عليه متهما اياه بأنه يحاول ركوب موجة المذهبية والتطرف المتصاعدة في المنطقة وتقديم نفسه على انه المدافع عن الطائفة السنية في العراق وهو تصرف ينظر اليه على انه تدخل مباشر ومعلن بالشأن العراقي الداخلي ومحاولة لإثارة نزاع طائفي فيه .
هذا التصعيد الخارجي رافقه تصعيد في داخل تركيا ،حين استغل اردوغان منصبه وغالبية حزبه البرلمانية لتمرير قوانين وتشريعات عززت من صلاحياته وسلطاته التي استغلها في قمع المعارضين وملاحقة جنرالات الجيش التركي وتلفيق التهم لهم بزعم اشتراكهم في محاولات للانقلاب على حكومة اردوغان ،حيث قدم عشرات الجنرالات الكبار الى المحاكمة وفصل عدد كبير منهم من الجيش .هذه السياسة الانفرادية بالحكم والسلطة ضاعفت من نقمة الشعب التركي وقواه المدنية والتي اخذت في تنظيم الاحتجاجات ضد اسلوب اردوغان الدكتاتوري في الحكم ومغامراته السورية الفاشلة ومزايداته على تركيا وتعريض امنها القومي للخطر ،لا بل انه اخذ يستخدم لهجة طائفية في احاديثه وتصريحاته من اجل تقسيم الشعب التركي الى فئات وقوميات وطوائف في سلوك خطير ودخيل على ثقافة الشعب التركي الذي تعيش مكوناته فيما بينها بسلام ووئام .
اسلوب التهديد والوعيد الذي قام به اردوغان ضد المتظاهرين السلميين في ميدان تقسيم يشكل في الواقع بداية النهاية لاحلام رجل تركيا المريض الذي يعيش هذه الايام بداية النهاية لانجازاته وادواره التي حاول استغلالها من اجل التكريس لزعامته الفردية الآخذة بالتآكل والذوبان والانهيار ،خصوصا وان اكثر من نصف الشعب التركي بات يعتقد الآن بأن عليه الرحيل ،حتى ان قادة حزب العدالة والتنمية الاخرين باتوا يشعرون بان وجود اردوغان على رأس قيادة الحزب يشكل خطرا عليه ويعرضه للخسارة في الانتخابات المقبلة .
مجريات الاحداث في تركيا تتجه نحو التصعيد والاحزاب والقوى السياسية والمدنية تستعد لتكثيف احتجاجاتها ومطالباتها بالحد من نفوذ اردوغان وسطوته ورفضها لسياساته ومغامراته والتي تحول تركيا الى مجرد منفذ لسياسات غربية خارجية تشعل المنطقة ،لكنها تؤثر سلبا على تركيا ،خصوصا وان تركيا عانت كثيرا من تقلبات السياسات الدولية وكانت هي الاخرى ضحية لها في عدة احيان .
اردوغان ومحاولته ركوب موجة التغييرات التي عصفت بالمنطقة وتقديم نموذج حزبه السياسي على انه البديل الذي يمكن ان يؤخذ به يواجه التعثر والفشل ،اضافة الى ان تحالفه السياسي مع قطر والسعودية المعروفتين بدعمهما للمجاميع المسلحة المتطرفة يتناقض مع الشعارات الاردوغانية حول اعتدال ووسطية منهج العدالة والتنمية السياسي وانه بعيد عن التطرف .
مواقف اردوغان العدائية وتحوله من رئيس للحكومة الى زعيم طائفي يتكلم باسم الطائفية ويقسم المسلمين الى ملل ونحل وطوائف يعكس حقيقة شخصيته وكوامنها كما انه يذكرنا بذلك الارث العثماني الذي يحاول اردوغان اعادته الى المنطقة مجددا والذي كان حافلا بالتعصب والكراهية والتفرقة بين المسلمين ،اضافة الى المجازر التي ارتكبها الاتراك ضد العرب في الحجاز وسوريا والعراق وفلسطين والتي دفعت بالعرب الى التحالف مع البريطانيين ضدهم خلال سنوات الحرب العالمية الاولى من اجل التخلص من الاستبداد العثماني والذي كانت فيه الامبراطورية في اواخر ايامها قبل سقوطها النهائي والذي تأجل سنوات عديدة بسبب الممانعة الفرنسية البريطانية وعدم الاخلال بالتوازن مع الروس ،خصوصا وان محمد علي باشا والي مصر اقترب ذات مرة من اسوار اسطنبول وكان على وشك اسقاط الخلافة العثمانية لولا الانذار الروسي الفرنسي البريطاني المشترك والذي دفعه الى الانسحاب.
امبراطورية اردوغان تعيش اليوم اواخر ايامها وايام مجدها الآخذة بالأفول بعد ان كشف الرجل عن قناعه الحقيقي ولجوئه الى العنف والقوة وتوجيه الاتهامات والشتائم مانعا المتظاهرين من حقهم في التعبير والاحتجاج ومستخدما العنف والقوة التي تكشف التناقض في سياساته وتصرفاته فهو برر سابقا تدخله في سوريا بزعم ان بشار الاسد يقمع معارضيه.مواقف اردوغان العنيفة مع شعبه تؤكد ان نموذجه الذي حاول ان يصدره الى شعوب المنطقة ودولها سينهار والفورة الاقتصادية التي عرفها الاقتصاد التركي اخذة بالانحسار ومنافذ التصدير التي يعتمد عليها الاتراك لجني المزيد من الارباح اخذة بالتضاؤل ومثل هذه الاضرار هي نتيجة لسياسة التلاعب والقفز على الاحداث التي يجيد رجل تركيا المريض اردوغان ممارستها واستخدامها وسيحصد نتائجها المرة .

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*