ربيع الشعوب ( ياسين العطواني

من الملاحظ ان ربيع الشعوب العربية قد حل اخيرا بعد شتاء طويل، وبعد ان ايقظت ثورة الياسمين هذه الشعوب من رقادها الطويل، وفي الوقت الذي بدا فيه ربيع الحرية بالحلول فان خريف الطواغيت قد حل في الجانب الاخر، وهاهي اوراق خريفهم الصفراء تتساقط الواحدة تلو الاخرى. واذا كانت الغصون الذابلة تنتظر ربيعها لتجود علينا بالاوراق الغضة، لا سيما نحن نعيش هذه الايام الاجواء النوروزية الخلابة، فان ربيع الثورات العربية بدأ يفوح بازهاره اليوم في اكثر من عاصمة ومدينة عربية بعد ذلك السبات الشتوي الذي خيم على هذه البلدان. وبطبيعة الحال ما كان لهذه الثورات ان ترى النور لولا توفر الاجواء الربيعية المناسبة، وان هذه الاجواء قد تهيات بالفعل في هذا الظرف التاريخي الحساس الذي تعيشه شعوب المنطقة، وهذا ما يفسر سبب نجاح هذه الثورات واتساع نطاقها. وقد تضافرت عدة عوامل عجلت بقدوم هذا الربيع على البلاد العربية، ونعتقد ان العامل الثقافي والمعرفي ولاسيما الجانب التكنولوجي منه، والمتمثل بسهولة الاتصال السريع قد اسهم بشكل فعال في تغيير المفاهيم والرؤى الثقافية والاجتماعية والسياسية لاسيما بين الاوساط الشبابية في العالم العربي، ما سهل من مهمة هؤلاء الشباب في عملية التواصل الاجتماعي وجعلها تتم بسهولة ويسر وبعيدا عن انظار الرقيب السلطوي، ومن ثم حصول هذا التحول التاريخي غير المتوقع، في منطقة توصف بانها كانت طاردة للحريات، وهذا الوصف متات من طبيعة التراكمات الثقافية والتاريخية التي ميزت هذه المنطقة من العالم. ولا ننسى جانبا اخر لا يقل اهمية عما سبق، ونعني به رفع حاجز الخوف الذي كان ينتاب هذه الشعوب في حلهم وترحالهم، هذا المانع الفولاذي الذي طالما حال بين رغبة الشعوب الطامحة للتغيير وسطوة الحكام المتجبرين. وهذا الامر مكن الشعوب العربية من المجاهرة باصواتها العالية والداعية الى الثورة والتغيير. وكان هذه الحراك الشعبوي سابقة تاريخية بكل المقاييس، ايقن من خلالها المواطن العربي مدى اهمية وتاثير صوته في تحديد وتغيير مسار الاحداث. ان وصول الواقع العربي الى حال من الانسداد السياسي والمجتمعي، وافتقاد الخيارات المتاحة للخروج من هذه الحالة، جعل الثورة الخيار الوحيد المتاح امام الشعوب العربية. ووسط هذه التحولات التاريخية التي تسود المنطقة، وبعد ان فتحت الابواب الموصدة للحريات، لا بد من الالتفات الى امر حيوي اخر، وهذا الامريتمثل بالكيفية التي يمكن من خلالها المحافظة على ماتم انجازه في مجال الحريات العامة في هذا الوقت القصير مقارنة بتاريخ طويل من الانتهاكات المستمرة لحقوق الانسان وكبت للحريات، وايضا كيفية استمرار هذا الزخم الشعبي وديمومته. فالمعروف ان الكثيرمن الذين قد ضربت مصالحهم وفقدوا امتيازاتهم سوف لن يسكتوا عما جرى، وهاهم يحاولون اليوم وضع العصي في عجلة التغيير من اجل ايقافها، اوالانحراف عن مسارها الصحيح في اقل تقدير، كما يجب الانتباه الى الدور المرتقب لبعض الوصوليين والانتهازيين ممن يحاولون ركوب الموجة وجني ثمار ما تحقق تحت عناوين شتى ، اضافة الى كارتيلات وبقايا تلك الانظمة والتي لا تزال ضاربة باطنابها في مؤسسات ومفاصل الدولة الحيوية. وحتى لا تاكل الثورة ابناءها ولا تتحول الحرية الى فوضى عارمة يجب الاخذ بهذه الاسس السليمة لكي نمكن تلك الثورات من الثبات والصمود، ونتجنب مطبات مابعد التغيير، خصوصا ان فصول الثورات العربية لم تكتمل بعد، كما لم يستقر المشهد العربي على حالة واضحة. لقد بات واضحا ان ربيع الثورات قد بزغ، كما بزغ النور من جوف الظلام، ولن تنفع محاولات الانظمة البائسة لحجبه، وان موسم شم نسيم الحرية قد بدا بالفعل، ولاول مرة في تاريخ هذه المنطقة، والتي لم تستنشق طوال ذلك التاريخ الا غبار الطواغيت. لذا ينبغي على الجميع، وبالاخص القيادات النخبوية في المجتمع ان تتفاعل ايجابيا مع حركة التغيير، وان تكون قادرة على هضم المتغيرات الجديدة في واقعها، وكيفية تحويلها الى قيم مضافة في عمليات التنمية والتحول الديمقراطي. وان تلتفت الى خطورة مايروج له البعض من ان الثورات العربية مجرد حالات تمرد وانتقام من اوضاع بعينها، وليست ثورات من اجل التغيير. لاننا بكل بساطة، وكما قال حكيم الثورة التونسية مقولة الشهيرة، وهو يكفكف دموعه، ويشير بانامل مرتعشة الى الشيب الذي اخذ منه ماخذا، (لقد هرمنا، هرمنا، هرمنا، من اجل هذه اللحظة التاريخية)

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*