ذاكرة النكسة العربية / بقلم : حسين علي الحمداني

مرت أكثر من أربعة عقود ونصف على حرب الأيام الستة التي تركت آثاراً سلبية كبيرة ليس على مسارات القضية الفلسطينية فقط بل على مجمل مناحي الحياة في العالم العربي الذي كان يعيش شبابه ومثقفوه نشوة كبيرة بفعل الشعارات الإيديولوجية التي كانت مرفوعة في تلك المرحلة والتي ساهمت بصناعة رأي عام يتناغم مع قضايا الأمة بشكل كبير جداً .
وما بين الخامس من حزيران سنة 1967 واليوم حقبة طويلة شهدت أحداثا كثيرة وكبيرة، ومسارات وشعارات متعددة للقضية الفلسطينية التي استخدمها بعض الحكام العرب للقفز على كراسي الحكم لكنهم تخلوا عنها في اللحظة التي حققوا فيها غاياتهم .
وقرأنا كثيراً عن أسباب النكسة أو الهزيمة أو أية تسمية أخرى أطلقها الكتاب والمنظرون من قوميين ويساريين وعلمانيين، لكن جميع هؤلاء لم يلامس الحقيقة الجوهرية لهزيمة النظام السياسي العربي في حرب حزيران 1967، اذ لم يجرؤ أحد أن يقول بأن القادة العرب آنذاك صنعوا الهزيمة بأيديهم ومنحوا الشعوب النكبة، هذه الشعوب التي عادة ما تدفع فاتورة أخطاء الحكام لكنها في حزيران 67 دفعت فواتير متراكمة ومضاعفة لأخطاء مقصودة كانت تهدف إلى قتل الروح في الشارع العربي، هذا الشارع الذي صدق ما روجته وسائل الإعلام العربية آنذاك عبر ترديدها للبيانات العسكرية الوهمية التي لو أحصينا فيها عدد الطائرات الإسرائيلية  التي أُسقطت بنيران القوات العربية لوجدنا بأن إسرائيل فقدت غطاءها الجوي، ولكن حقيقة النكبة تكمن ليس في الهزيمة العسكرية فقط، بل تكمن في كمية الخداع الرسمي للأنظمة العربية لشعوبها وتزويرها للحقائق لدرجة الصدمة التي تركت آثارها واضحة في ملامح الفرد العربي وتصرفاته.
لكن لعل من أسوأ نتائج الحرب احتلال كل من قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان، وتحطم معنويات الجيوش العربية وأسلحتها، ونزع الثقة بين الحكام العرب وشعوبهم التي ضللوها بالمعلومات والبيانات الكاذبة، وقد كرست النكسة الصورة المترسخة عن الجيش الإسرائيلي بأنه الجيش الذي لا يقهر وذلك لسببين، الأول توالي الهزائم العربية منذ العام 1948 والثاني التفوق الإسرائيلي وقدراته وتجهيزه واستخباراته.
لكن القوميين العرب أسموها النكسة لتخفيف وطأتها على النفوس كما أن بعضهم أعلن انتصار العرب في الحرب لان إسرائيل لم تستطع القضاء على “الأنظمة التقدمية” في سوريا ومصر. وإثر النكسة خبت جذوة القومية العربية وتحطمت صورة زعيم القومية العربية الذي سيلقي إسرائيل في البحر كما كان يروج من قبل.
وخلاصة القول شكلت تلك الحرب، بكل ما أفرزته من نتائج عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية وجيوستراتيجية، تحولا خطيرا في مجرى الصراع العربي – الإسرائيلي لما نتج عنها من خللٍ واضح وخطير في توازن القوى بين العرب وإسرائيل. وقد ترتب على قضية فلسطين بفعل نتائج تلك الحرب بأن تعود مرةً أخرى إلى الأمم المتحدة بشكل مفاجئ وجديد، لتخضع في إطار المنظمة الدولية، إلى مناقشات وصراع وتكتلات والى مشاريع قرارات وأخرى مضادة متواترة ومتلاحقة أدت بالنتيجة إلى صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 في 22 تشرين الثاني 1967 والذي تضمن مبادئ حل سلمي لها، والجانب الآخر تمثل في حجم الإحباط الذي أصاب الشباب العربي الذي كان ينتظر من (قادة العرب) أن يصلّوا في القدس وفق الشعارات التي كانت مرفوعة قبل الخامس من حزيران 1967، كما ان نتائج هذه الحرب كانت السبب الرئيس بعد عقدين من الزمن في أن ينخرط العرب في مفاوضات من أجل استرداد ما فقدوه في حرب الأيام الستة.

book cheap flight

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*