ديموقراطيات العرب في خطر / بقلم : باسل محمد

مع اندلاع عهد ثورات الحرية في العالم العربي برز نموذجان الاول، النموذج التونسي و المصري الذي اعتمد واصر على الاحتجاجات السلمية لاسقاط الدكتاتور ولذلك كانت كلفة التغيير معقولة كما ان فرصه في النجاح كانت اكبر. والثاني النموذج الليبي الذي انتهج اسلوب الثورة المسلحة للاطاحة بدكتاتور اكثر جبروتا و قمعا من دكتاتوريي تونس ومصر وكانت نتائج هذا التغيير ومازالت كارثية ومكلفة وسيكون في مشواره  لبناء الديموقراطية الكثير من المطبات و المخاطر و المفاجآت.من اهم المحاذير على الاطلاق، الا يجري تعميم النموذج الليبي على بقية الدول العربية التي مازالت ترزح تحت حكم انظمة شمولية بطريقة او بأخرى لسبب بسيط هو، يجب الا يؤدي النضال الديموقراطي الى استنزاف  او تدمير الموارد الوطنية وسقوط ضحايا لأن معنى ذلك ان الديموقراطية ستواجه حركة مسلحة مضادة اشبه بحرب أهلية قد تستمر لسنوات كما يجري في الحالة الليبية الآن، كما ان الديموقراطية ستنشغل الى حد كبير في معالجة هذا العنف وتداعياته على المستوى الاجتماعي بدلاً من الانشغال ببناء نظام سياسي انتخابي فعال و مستقر ومزدهر و بسرعة.
في الحالة اليمنية بشكل خاص، على المحتجين من اجل الحرية ان يقتنعوا ان الهدف الاساس من حراك الشارع هو اقامة نظام حكم انتخابي ولذلك على الحركة الاحتجاجية اليمنية ان تقبل بسقوط دكتاتور اليمن علي عبد الله صالح بالانتخابات لا بالاحتجاجات والا ستؤول الجمهورية اليمنية الى مصير اسود قاتم وهذا مخالف لطبيعة ومصالح النضال الديموقراطي.
في تجربة الاطاحة بنظام صدام في العراق، فأن  غياب اية حركة اصلاحية داخل تركيبة هذا النظام  وعدم فطنة هذا النظام منذ العام 1991 بالتحديد على ضرورة اجراء اصلاحات سياسية مهمة في البلاد بعد اكثر من عقدين من الاخطاء القاتلة في الداخل و الخارج واصراره على النظر الى معارضيه على انهم خونة و عملاء ومأجورون مع
رفض قمة النظام سن دستور انتخابي وتركيز المجهود الوطني الشامل
في الجامعات و المدارس و الاعلام و المصانع و المزارع و الفنون
على تمجيد الدكتاتور ، كل ذلك ا
نتج تركة ثقيلة ومأساوية امام
اية عملية تغيير ديموقراطي بدليل ان المؤمنين بالنظام السياسي الانتخابي بعد العام 2003  ورغم مرور
اكثر من ثماني سنوات مازالوا يتعثرون في مساعيهم لأخذ العراق الى عهد سياسي جديد من التنمية و السلم الاهلي.  وعلى الارجح
لن يفلح هؤلاء المؤمنون بالديموقراطية في هذا المسعى طالما لم تقم الاطراف التي تولت قيادة التغيير الديموقراطي بأصلاحات في داخلها.
في الحالة السورية، فأن النظام الشمولي اتخذ خطوات اصلاحية بهدف كسب الوقت لاعطاء فرصة للحل الامني ضد المحتجين من اجل التغيير الديموقراطي والا ما معنى وما جدوى هذه الخطوات الاصلاحية وقوات أمن النظام تجتاح الاحياء و المدن و تعتقل المئات و تقتل العشرات من المحتجين في اليوم الواحد! كما ان من اخطر دروس هذه الحالة الاحتجاجية في سورية ان نظام الحزب الواحد لا يريد الرحيل عن السلطة بل يريد ان يبقى في الحياة السياسية و يشارك في اية انتخابات وهو يراهن على تفكك و ربما انقسام المعارضة  وهو يراهن ايضاً على ان المعارضة السياسية  ليس لها نفوذ في اوساط المحتجين لكن حساباته بالتأكيد واهمة لأن هدف ثورة الشارع، المجيء برئيس منتخب و سلطة سياسية منتخبة وهذا الشارع سيذهب عند اول انتخابات حرة للتصويت ضد مرشحي حزب البعث.
الخطير في السيناريو الذي يعده النظام الشمولي في سورية،  انه يفكر في اختراق الحياة الانتخابية عندما تنطلق بما فيه تنفيذ عمليات اغتيال واسعة وربما افتعال معارك مع اسرائيل عبر اطراف ثانية لكي يقنع الناخبين انه الوحيد في مواجهة الاسرائيليين او ان اسرائيل تريد وتدعم الاطاحة بنظام الدكتاتور في سورية او ان سورية والمنطقة من دون نظام بشار الاسد سترفع الراية البيضاء امام القوة العسكرية الاسرائيلية!!
من جهتها، اسرائيل محتارة بين ديموقراطيات عربية لها معجبون ومساندون في الغرب وقد تغير موازين المواقف الغربية من اسرائيل لصالح العرب وبين  هذه الديموقراطيات التي ربما تكون شريكاً افضل لها في سلام الشرق الاوسط من الدكتاتوريات العربية رغم ان اسرائيل كسبت الكثير اعلامياً وسياسياً وعاطفياً وميدانياً وعسكرياً واقتصادياً من وراء وجود الدكتاتوريات في العالم العربي.
بالنسبة للدول الغربية، فهناك خطان الاول، يؤمن ان الغرب يجب عليه ان يدافع عن المد الديموقراطي العربي لكونه اي الغرب هو رائد النهج السياسي الديموقراطي في العالم وهذا الخط يمتثل الى الاخلاق وحقوق الانسان. والخط الثاني،  يريد ان يستثمر هذا التحرك الديموقراطي في الشارع العربي اما لتصفية حسابات كما جرى مع دكتاتور ليبيا او  لاعادة بناء حلفائه من جديد كما هو الحال في مصر وتونس .لكن بعض الحراك الديموقراطي في بعض الدول العربية اقلق الغرب، ففي اليمن، فأن ترك الامور دون تدخل ربما يؤجج الحرب الاهلية وهذا يهدد أمن الخليج العربي حيث منابع تجارة البترول، كما ان ترك دكتاتور اليمن صالح يسقط، سيؤدي الى تقوية نفوذ القاعدة وهذا امر خطير على أمن الخليج و أمن القوات الاميركية في المنطقة وأمن اوروبا و الولايات المتحدة.. في الحالة السورية، يقترب الموقف الغربي من امرين، التدخل العسكري وهذا قد يشعل حرباً موسعة مع حزب الله في لبنان و ايران، حلفاء النظام في سورية الذين سيصطفون للدفاع عنه وبالتأكيد ستتورط اسرائيل في هذه الحرب. الامر الثاني،  دعم المزيد من العقوبات بالتوازي مع دعم بعض فصائل المعارضة السورية بالسلاح لتشديد الضغوط الميدانية على النظام السوري ويمكن للعقوبات و تسليح المعارضة ان يطيحا بنظام حزب البعث السوري مع الوقت و بعد فترة من الاحتجاجات. الخشية الستراتيجية، ان يكون الغرب و الاسرائيليون اتخذوا قراراً بتوجيه الاعلام و الاستخبارات والاموال والحلفاء  لتحويل الديموقراطيات العربية الى حروب اهلية ومشاريع تقسيم بدلاً من ان تتحول الى تعايش سياسي و اجتماعي ونهضة انتاجية شاملة، فمجتمعات أوروربا و الولايات المتحدة نجت جميعاً من الاقتتال و التخلف بفضل الديموقراطيات.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*