دموع الديمقراطية / بقلم : علي دنيف حسن

على صوت بكاء ونحيب متقطع استيقظت من النوم. كان الليل يلف الثكنة العسكرية بسكونه، وثمة جنود يشاركونني النوم، وهم مرتمون بشتى الأوضاع على أسرتهم البالية. قلت لنفسي: ربما تذكر الجندي مجيد قريته وأهله وحبيبته، ففاضت به العبرات، واستولى على روحه الشجن اللذيذ.

سألته لماذا يبكي؟ فقال لي: اسمع، ورفع صوت الراديو الصغير، فانطلق صوت عبد الحليم حافظ:

لو أنِّي أعرفُ أنَّ البَحرَ عميقٌ جِداً ….. ما أبحرت..

لو أنِّي أعرفُ خاتمتي ……… ما كنتُ بَدأت…

إذن، فمجيد يبكي نتيجة خاتمته التي لو تسنى له معرفتها لما بدأ.

قلت له: لقد سمعت هذه الأغنية عشرات المرات، فما الجديد؟ وما هي المشكلة؟ فقال: أنا أبكي لأن خادمة عبد الحليم قد تنكرت له. تصور يا أخي، خادمة تتنكر لمن آواها وأطعمها وعاشت في منزله معززة مكرمة. لو كنت انا عبد الحليم لما احببت تلك المرأة. تصور يا أخي جحود الانسان ونكرانه، وصلافة عينيه.

قال لي ذلك وعينيه تترقرقان بالدموع، وهو يحاول اشعال سيكارة رخيصة بصعوبة في ذلك الليل البهيم.

لم أشأ ان أشرح لمجيد معنى ما يبكي من أجله، فقد تركته ليعيش فهمه الخاص للموضوع، ولم أشأ كذلك ان أؤنبه أو ألومه. قلت له: (هاي سهلة.. عبالي أكو غير شي)، ثم عدت للنوم من جديد.

أنا والكثيرون غيري فهمنا الديمقراطية فهما خاطئا. انتظرناها كأمل، ودافعنا عنها بشراسة كحتمية، وكنا نتصور ان أغلب مشاكلنا، ان لم نقل كلها ستحل مع اشراقتها البهية، وفي ضوئها وآلياتها ستتبدل الكثير من السياقات والتعاملات، وستنتشر الشفافية واحترام حقوق الانسان، وسيوضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وبما توفره من حرية رأي وتعبير ستوضع كل أورامنا على طاولة التشريح، فنبرأ منها.

حجز الفنادق

لكن الديمقراطية حالما جاءت خلعت ملابسها المتعارف عليها، وأرتدت ثوبا يتناسب مع ظروف العيش في هذا البلد العجيب. وبدل ان تكون خاتمة تحولت إلى خادمة، لتحقق مآرب المنافقين والمخادعين والمخضرمين في مسح أكتاف الانظمة السياسية والاجتماعية، والمتلونين مع كل ريح وموجة، ثم صارت عروسا يزفها كل هؤلاء، لما تحققه من منافع ومراتب ودرجات لهم ولأبنائهم والمقربين منهم.

المشكلة ليس في هؤلاء طبعا، بل في بعض الكتاب والمنظرين والمحللين السياسيين والستراتيجيين الجدد الذين خدعوا آلاف المساكين وضللوا آلاف البؤساء، وكتبوا قصصا وحكايات ليس لها وجود عن جنات الديمقراطية ونعمها الكثيرة، وكأنهم الجندي مجيد، وهو يستمع إلى رسالة من تحت الماء.

موقع افكار

مقالات عراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*