خير الدين حسيب : معضل النقل واعاقة التنظير / بقلم : عبد اللطيف الحرز

بالرغم من ضخامة كتاب “العراق من الاحتلال الى التحرير” للدكتور خير الدين حسيب,الصادر بـ487 صفحة من القطع الكبير , الا ان عبدالاله بلقزيز يطرح مقدمة مسهبة ومطولة ,مقدمة اشبه بتسديد دَين للرجل الذي يعتني بمطباعة كتابات هذا الاخير,الامر الذي جعل بلقزيز غير قادر على تخفيف لهجة المبالغة لمقدمة أريد لها ان تكون موضوعية لكتاب يعاني من فقدانها منذ الصفحات الأولى.
يخبرنا عبدالاله بلقزيز ان هذا الكتاب الضخم كمياً,هو متابعة يقظة للحدث العراقي بعد 2003, وانه يمتاز بروح الممارسة والاستشراف (خير الدين حسيب”العراق من الاحتلال الى التحرير” ص17. مركز دراسات الوحدة العربية2006). الكتاب اذن يدعي المتابعة الموضوعية للمشهد السياسي العراقي, كما انه يدعي انه قدم استشرافات مستقبلية, مثل كون الغزو الامريكي للعراق سيؤدي الى انهيار الامبراكورية الامريكية(ص50) . و حينما نتصفح الكتاب نجده عبارة عن توثيق لحوارات مطولة اجرتها قناة الجزيرة مع الدكتور خير الدين حسيب .و ليس هو بالتالي جولات صحفية ميدانية , ولا هو كتاب تحليلي مصدري . وثقة قناة الجزيرة هنا بخير الدين حسيب متبادلة , فصورة العراق الموجودة في ذهن خير الدين حسيب و في الكتاب هي صورة العراق بحسب عدسة قناة الجزيرة ذاتها بلا فرق. هذا مع لقاءات اخرى مع اذاعة الشرق وقناة ال بي سي اللبنانية , وقناة المستقلة, وغيرها من اللاذاعات والندوات.
يقول حسيب في انتقاده للحركة القومية العربية بانها اهتمت بالاستقلال عن الأجنبي و الخروج من التخلف الاقتصادي, وبهذا كان الطرح القومي فارغاً من البعد الاجتماعي و السياسي, حيث ان القضية الاجتماعية تفرّق الناس, ومسئلة التحرير تحتاج الى تجمعهم(ص35) , وحينما جاء عبدالناصر دعى الى الاصلاح الاجتماعي لكنه رأى ضرورة تأجيل الديمقراطية ريثما يتم التغيير الاجتماعي وهذه ثغرة واضحة في التيار الناصري(ص36) رغم ان عبدالناصر نفسه,كما يقول حسيب, يتجاوز برؤيته القوى السياسية في مصر و الشعوب العربية عامة (ص37), تماماً كما كان حافظ الاسد اكبر من سوريا و الملك حسين اكبر من الاردن (ص38), لذا تضاءلت ادوار هذه الدول بعد رحيل زعمائها . وعلى الرغم من ان الاذاعة التهريجية المسماة بـ”صوت العرب” كانت من انشط الوسائل لتشويه الثورة العراقية عام 1958 واصلاحات الزعيم عبدالكريم قاسم, الان خير الدين حسيب يعتبرها اذاعة الرسالة القومية ويطري عليها (ص81)
في البدء نجد خيبة امل بالانظمة العربية فهي لم تدافع عن العراق رغم ان اتفاقية الدفاع العربي المشترك تقتضي ذلك , بل الذي حصل هو العكس فهناك من الدول العربية من شجع على الهجوم الامركي ودول عربية اخرى اتاحت جميع الامكانيات لمساعدة الجيش الامريكي , فكانت هي معبر للقوات الاجنبية ومنها انطلقت الطائرات و الصواريخ. من هذه الدول ياترى ؟!
بالطبع فخير الدين حسيب يمتنع عن ذكر اسم اي دولة فلا يقول الكويت و السعودية و قطر, هي الارض التي تحركت منها الجيش الامريكي وانطلقت منه الصواريخ والطائرات , ليس عام 2003, بل منذ الرد على اجتياح الكويت والقاء 800طن يورانيم على الجنوب العراقي بالخصوص(ص45). بالاضافة الى ان رئيس الجامعة العربية عمرو موسى لم يدعو الى عقد مؤتمر للدول العربية لمواجهة احتلال العراق .كما قد اعترفت الدول العربية بالحاكم العسكري بريمر كرئيس مؤقت للعراق. وحسيب اذ يقر بكون الولايات المتحدة هي التي كانت تمد حكومة صدام حسين وحزب البعث بالسلاح في حربه ضد ايران , الا انه يرى ان ذلك النظام حاول ان يستفيد من هذا المد التكنولوجي لصناعة سلاح مواجهة مع اسرائيل لذا انقلب الموقف الامريكي من حكومة الطاغية وحشدت القوى لضربه (ص81) وبالتالي فاسرائيل لها دور في دفع امريكا لضرب العراق (ص89) , فالقضية ترتبط بعقدة المؤامرة اليهودية الازلية ضد دار الاسلام بغداد, حتى لو كان النظام الحاكم هو نظام الحادي اشتراكي!

من الامور المهمة ان حسيب صرح بالفرق بين الارهاب و المقاومة. لكنه تفريق على اساس الاشخاص وليس الاعمال , فالارهاب هو مثل الزرقاوي و المقاومة هي كل ماعدى ذلك حتى لو كانت النتيجة هي ذات النتيجة من كلا الطرفين (ص50) وبالرغم من كل التضخيمات الاعلامية للانظمة العربية لما يسمونه بالمقاومة فإن حسيب يرى ان التضخيم فقط هو لصورة الزرقاوي فهو ليس بشع الى هذه الدرجة فجملة من اعمال العنف هي بسبب اطراف امريكية وموساد وايرانيين (ص51), فكأن الامة العربية امة طاهرة وبريئة بذاتها وكافة مظاهر الجريمة هي عناصر وافدة وجزء من مؤامرة الآخر, وتلك نظرة عرقية يفترض ان العرب ينتقدون بها الخطاب الاستشراقي, لكنهم اكثر تشدداً منه خطاباً وممارسة.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*