خطورة مفهوم الصفقة السياسية وخلفياته / بقلم : كريم عبد

ا يحتاج المتابع للأوضاع العراقية بعد 9 نيسان (أبريل) 2003، لمزيد من الجهد كي يلاحظ وجود أخطاء وظواهر سياسية أدّت وتؤدي إلى عرقلة المشروع الديمقراطي وبالتالي تعطيل التنمية والإعمار حيث الأزمات التي يدفع ثمنها العراقيون يومياً! وأول هذه الأخطاء هو عدم وجود رؤية واضحة عندبعض الأطراف السياسية لمفهوم سلطة القانون. وإذا كان هناك من حاول إيجاد (تبريرات) لمبدأ المحاصصة رغم كل ما ألحقه من أضرار بالاداء السياسي للحكومة، فإن تجربة الثمان سنوات تبدو كافية لما يمكن تسميته بعودة الوعي. لكن ما جرى قبيل انتخابات 2010 وبعد إعلان النتائج، لا يوحي بذلك، بل يدل على العكس !!
فقد رأت الأطراف المختلفة بأن من حقها جميعاً الإشتراك في تشكيل الوزارة، أي المشاركة في السلطة التنفيذية مع احتفاظها بحضورها البرلماني، بينما أول مبدأ في النظام الديمقراطي هو فصل السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية عن بعضها.

 يقول موريس دوفرجيه (إن من شأن مبدأ فصل السلطات أن يؤدي إلى مراقبة كل جهاز حكومي من قِبل الجهاز الآخر، بحيث نجعل السلطة تحدّ السلطة كما يقول مونتسكيو.

 إن مبدأ الشرعية وتراتبية القواعد القانونية يضمنان هذا التقييد للحكّام في مختلف الدرجات ويوفران للمواطنين وسائل الاعتراض على الأعمال غير الشرعية). وهذا يعني إن مقابل الصلاحيات التنفيذية للحكومة لا بدَّ أن تكون هناك معارضة برلمانية فاعلة، تُحاسب الحكومة إن أخطأت وتحدّ من إندفاعها إن أعتور قراراتها أي نوع من الإستبداد، بالإضافة إلى مهمة البرلمان التشريعية. 

وبسبب عدم وضوح مبدأ فصل السلطات خلال السنوات الأربع الماضية حيث استأثرت الأحزاب المتنفذة بالبرلمان والوزارة معاً استناداً لبدعة (الديمقراطية التوافقية)، رأينا العديد من السلبيات الخطيرة، ومنها إن إقرار الموازنات السنوية تم دون مناقشة موازنة العام السابق! الأمر الذي غطى على العديد من أعمال الفساد المالي والإداري، بل وجدنا نواباً عرقلوا نشاط (هيئة النزاهة البرلمانية) في استجواب الوزراء الذين حامت حولهم شبهة الفساد ! كما بدا الاضطراب واضحاً في السياسة المالية والاقتصادية إذ تخلّفت الصناعة والزراعة وتحول العراق إلى بلد استهلاكي قلَّ نظيره في بلدان العالم، ذلك أن 80 بالمائة من الموازنات السنوية تخصص للشؤون التشغيلية، أي لرواتب الموظفين ونفقات الوزارات، بينما أقل من 10 بالمائة للتنمية!! وأمر كهذا لا يحدث اعتباطاً، فلا بدَّ أن تكون هناك جهات مستفيدة من طغيان التجارة الخارجية على ما عداها! فالأحزاب المتنفذة هي من يتحكم بالوكالات التجارية والصفقات الكبرى مباشرة أو عبر وسطاء تابعين! 

 إن تداخل المصالح بين الأحزاب المتنفذة أدى إلى تناغم بين الوزارة وبين البرلمان فأضعف من المهمة الرقابية للأخير، وكان لا بد لهذه النتيجة أن تنعكس سلبياً على فاعلية السلطة القضائية أيضاً. فالقانون هو حاجز بين المسؤول وبين السلطة، أي أن المسؤول عندما يتخذ قراراً يتوجب عليه قبل تنفيذه أن يعود إلى القوانين ليتأكد بأنها لا تتعارض مع القرار المُعد للتنفيذ.

 لكن مفهوم (الصفقة السياسية) بين الأحزاب المتنفذة أسقط هذا الحاجز القانوني ومكّنَ الأحزاب من فعل ما تريد بعيداً عن سلطة القانون ومصالح المجتمع  

حجز الفنادق

هذا هو المناخ الذي شجّع الأحزاب المتنفذة على (إقحام) مفهوم (الصفقة السياسية) في إدارة الدولة ما أدى إلى وضع القوانين على الرف !! 

وواضح أن الصفقات السياسية ونتائجها لم تكن منسجمة مع المصلحة العامة ولا مع القوانين ولا مع سلطة القضاء التي تم تعطيلها لتنفيذ قرار العفو عن المعتقلين المتهمين بقضايا فساد معروفة لدى الرأي العام الذي لا تقيم له بعض الأحزاب أي اعتبار.

والمشكلة لا تكمن هنا فقط، بل في تحويل مفهوم (الصفقة السياسية) أمراً دارجاً في إدارة الدولة على عكس ما هو معروف في جميع دول العالم. إن (الصفقة السياسية) لا تتم بين أطراف تتحمل مسؤولية إدارة البلاد، بل تحدث بين دولتين في حالة نزاع أو حرب تطول مدتها بطريقة تؤدي إلى استنزاف الطرفين دون إمكانية إنتصار أحدهما على الآخر، فتأتي الصفقة السياسية لإنهاء النزاع أو الحرب لتلافي مزيد من الخسائر، أي لمصلحة البلدين والشعبين. 

إن إقحام مفهوم (الصفقة السياسية) في شؤون السياسة الداخلية لابدّ أن يؤدي إلى إهمال القوانين واحلال مصالح الأحزاب المتنفذة محلها! وإذا أحسنّا الظنَّ وقلنا إن الإلتباس في المفاهيم الذي أدى إلى إقحام أدوات السياسة الخارجية على السياسة الداخلية، مردّه قلة خبرة الأطراف المعنية بتقاليد وأعراف النظام الديمقراطي بحكم حداثة التجربة، فلا بد أن نجد تفسيراً  لخلفيات وأسباب مثل هذه الإلتباسات. 

في العراق وفي البلدان العربية الأخرى، هناك من يردد مقولة (في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة). وإذا وضعنا خطين تحت كلمة (مصالح) فإن السياسيين في العراق وسواه يرددون هذه المقولة بثقة واعتداد عاليين كدليل على الحصافة وسعة الإطلاع، ناسبين المقولة إلى ونستون تشرشل، وهم بذلك يرتكبون خطأين إثنين، الأول هو إن قائل العبارة ليس تشرشل بل هو هنري بالمرستون 1784-1865 الذي يعتبر من آباء الدبلوماسية البريطانية حيث تبوّأ في مراحل مختلفة مناصب دبلوماسية وسياسية عديدة كوزارة الخارجية ورئاسة الوزراء ووزارة الدفاع، وحيث كانت حقبته تمتاز بالحروب الأوروبية – الأوروبية فقد كانت عبارته تلك من نتاج تلك الحقبة الحربية، فالمقصود بالصداقات والعداوات هو نوعية العلاقات المتقلبة بين الدول الأوروبية المتنازعة، أي إن العبارة تخصّ السياسة الخارجية. أما كلمة (المصالح الدائمة) فلا علاقة لها بمصالح الأحزاب أو الشخصيات السياسية بل المصالح العليا للبلاد في مواجهة الأطراف الدولية الأخرى.إن هذا الخلط أو الالتباس بين حقوق المجتمع التي تكفلها القوانين، وبين مصالح الأحزاب المتنفذة، ومهما كانت دوافعه، سيسهم، إذا ما تمَّ تكريسه عبر مفهوم (الصفقة) وسواها، في خلق أعراف مشوَّهة يصَعُب تصور الخلاص منها بسهولة، خصوصاً ونحن في مرحلة لا تنقصها الإلتباسات، وفي بلد منكوب يحتاج إلى مفاهيم واضحة لإنقاذه، وإلى سياسيين يضعون النقاط على الحروف وليس في مكان آخر.

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*