خطر حقيقي ( عروبة جميل محمد

يمكننا القول بأن ما يجري الآن في العراق هو جزء من مشروع نشر الفوضى في المنطقة التي تسعى له قوى إقليمية غايتها تمزيق البلدان وتفتيتها ، ولعلنا في الأشهر القليلة الماضية سمعنا خطابات متكررة في السنوات الماضية لكنها أخذت منحى خطيرا في ساحات الأنبار وكركوك عندما تحولت من شعارات إلى افعال عبر التعرض للجيش العراقي والقوات الأمنية بغية الوصول لمرحلة المواجهة المباشرة وإحداث حالة الصدام مع الجيش .
ولعل هذا السيناريو قد حصل في سوريا من قبل ويحاولون استنساخه في العراق بطريقة مشابهة جدا ، مستغلين التنوع الثقافي والديني في هذا البلد.
وهكذا خطاب في ظروف كالتي نعيشها سواء في العراق أو المنطقة ، تكون أهدافه ونتائجه خطيرة جداً على النسيج الاجتماعي ويؤثر سلباً في إنتاج مجتمع متماسك، بل إن من أهداف هكذا خطاب هو محاولة تمزيق وحدة الشعب وجره للهويات الفرعية والثانوية تمهيداً لزعزعة كيان الدولة وتأخير عملية البناء فيها ، ونسف كل مقومات وجودها ككيان جامع لكل المكونات.
ومن تابع عن كثب ما حصل في مصر وتونس وليبيا واليمن وحتى سوريا الآن سيجد بأن هنالك اهتماما كبيرا جداً من أطراف إقليمية ودولية بتوفير فضائيات ووسائل إعلام أخرى لجهات سياسية واجتماعية سواء في ليبيا أو مصر أو سوريا وحتى في العراق الآن ، تكون ناطقة باسم تيار معين أو فئة معينة أو مُكون بعينه وتعزف على وتر واحد وهو الهوية الفرعية ، سواء أكانت مناطقية جغرافية أو قبلية  أو طائفية أو عرقية.
وخطاباتها تنصب في لغة الكراهية ومحاولة صناعة مفهوم آخر للحوار بين النسيج الاجتماعي هو حوار العنف والدم والرفض والتهديد.
وهذا بالتأكيد يهدد ثقافة المجتمع ويمهد الطريق لبروز التطرف والتحزب في أضيق صوره وأكثرها تشوهاً ، بل لا نكتم إن قلنا بأنه يلغي المواطنة ويقيس الأمور من زوايا بعيدة عنها.
لهذا فإن البعض يحاول أن يجعل من التعددية الفكرية والثقافية والقومية والدينية في المجتمع العربي عبئا وليس عامل قوة كما هو معروف للجميع ، وهذا ما سيجعل الكثير من المدن العربية تتحول لكانتونات مغلقة لهذه الفئة أو تلك ومحكومة في الوقت نفسه بثقافة واحدة تشبه إلى حد كبير ما كان سائداً في النظم الشمولية .
وهذا يجعلنا لا نشعر بقيمة التغيير الذي حصل في البلدان العربية ولا نفهم جوهره ، بل إن البعض في مصر وليبيا وتونس وجدوا بأن ثورات الربيع العربي التي كان منتظر منها أن تشكل هوية جديدة شاملة متنوعة للشعب في هذه الدولة أو تلك تحولت – أي هذه الثورات- بين ليلة وضحاها لحرب كلامية بين هذه المدينة أو تلك، أو هذه الطائفة والأخرى وكلها تجري بتوقيتات واحدة وكأنها تمهد الطريق لما أشرنا إليه من صناعة كانتونات منفصلة لا رابط بينها ولا ثقافة مشتركة تجمعها.
وما يهمنا هنا ونحن جربنا في السنوات الماضية مأساة العنف والعنف المضاد ، أن نراهن على العقلاء بغية لجم التطرف وايقافه عند حده بدل أن نعيد تكرار ما حصل ونبحث عن وسائل إنقاذ هي الآن في المتناول.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*