خديعة الغضب ( ساطع راجي

للمواطن أن يغضب عندما يحاصره النقص والافتقار لفرص العمل والسكن والخدمات والطاقة، وللمواطن أن يحتج ويعلن عن غضبه ذلك في سياق الدستور والقوانين ليكون الاحتجاج ضمن الحدود المشروعة والسلمية ومع ذلك لا نتوقع أن يكون الاحتجاج في العراق وفي أي بلد آخر يجري دائما بصورة قانونية وسلمية فقدرة البشر على الاحتمال محدودة كما إن معرفة القوانين ليست شائعة جدا ولا احترام السلم الاهلي أمر ملازم للبشر وخاصة في منطقة الشرق الاوسط المشبعة بتراث من العنف يصل الى مستوى القداسة أحيانا، ورغم كل ما يشاع في التداول الشعبي فإن غضب العراقيين لم يتجاوز حدوده في معظم الاحيان وأثبتت الاشهر الاخيرة إن العراقيين هم الاكثر سكينة ورغبة في الهدوء بالمقارنة مع الشعوب المجاورة مع كثرة الامور التي تدفع الى عدم الرضا في العراق.
في مقابل تحمل المواطنين العراقيين وصبرهم وهدوئهم هناك صولات غضب متلاحقة يقوم بها زعماء البلاد، بينما يفترض بالزعيم أن يكون آخر من يغضب لئلا يفقد بصيرته ويجر الى الكارثة، بل ليس للزعيم في العراق أن يغضب أصلا فهو في بحبوبة من أمره يحسده عليها الجميع، لكن هاهم زعماؤنا يغضبون بدرجة تدفعهم الى ارتكاب أخطاء فادحة وممارسة حالات خطيرة من التأجيج وإثارة الاحتقان، غضب نراه ونسمعه يوميا لكننا لانفهمه ولا نجد بين يدينا ما يبرره، غضب يوجهه الزعماء الى بعضهم البعض ويديرونه بطريقة تريد إستقطاب كل البلاد الى حرائقه وتحويل المواطنين الى حطب سريع الاشتعال ورخيص الثمن وسهل الاستخدام ومتوفر دائما في مخازن الزعماء الذين لايكلفون أنفسهم عناء تفسير غضبهم ولا شرح خرائط معاركهم التي لاتنتهي.
لا يتقدم الزعماء بخطوة واحدة نحو مقاربة غضبهم الملغز بمشاكل المواطن الحقيقية، كل ما يقولونه لا يعني أحدا، فالغضب المتواصل لا علاقة له بادارة الخدمات وتوفير فرص العمل وبناء المساكن وتحقيق التوزيع العادل للثروة ولا بمواجهة الفساد ولا ايقاف هدر المال العام، هو غضب للاستهلاك الاعلامي حتى ولو هدد استقرار البلاد، غضب مفتعل يرتقي الى درجة الخديعة للايهام بإن هناك شيئاً ما يحدث وان هناك وظيفة لكل من يقدم نفسه على إنه زعيم حتى لو كانت تلك الوظيفة لا تتجاوز إصدار تصريحات مقتضبة بلهاء تدل على عقل ساذج، وحتى لو كانت تلك الوظيفة ممارسة متقطعة تتلخص في مجرد حضور اجتماع يعقد لتصوره الفضائيات ومؤتمر صحفي بائس والتقاط صور مضحكة حد البكاء لما تجمعه من نقائض أو ما تسجله من زيف.
هو غضب مخادع تتم ممارسته اعتمادا على تصور ساذج يرى إن إعجاب العراقيين بزعمائهم لا ينتهي وإن هؤلاء الزعماء لا تاريخ محدد لنفاد صلاحيتهم، وهو تصور باطل وموهوم خدع به الزعماء أنفسهم، فحتى التظاهرات التي تم إخراجها مع فلان وضد علان بدت بائسة وهزيلة لا ترقى الى احتفال مشجعي الفرق الكروية في الساحات الشعبية، مظاهرات تنديد وتأييد هزيلة تشبه صور الزعماء الغاضبين افتعالا وخديعة، لقد انتهت اللعبة وانهارت القداسة، لقد أحرقوا أنفسهم، استهلكوها لكثرة الظهور في معارك وهمية بلا نتائج، هاهم عراة مرة أخرى.
قيل قديما إنك يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، أو أن تخدع بعض الناس كل الوقت، لكن لا يمكن أن تخدع كل الناس كل الوقت، وقد استنفدت الخديعة وقتها وليس للعراقيين إلا أن يدفعوا بدماء جديدة ووجوه غير مستهلكة عسى أن تكون أكثر صدقا ووفاء.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*