حقيقة ثورة العشرين ( كاظم غيلان

يزخر تاريخ الأمم والشعوب بمختلف قومياتها وميولاتها وتركيباتها بالعديد من المآثر التي تستحق التفاخر بها، مثلما يزخر بانتكاسات ومرارات هي الأخرى تستحق التذكر، ولعل في هذا المضمار يكمن المسكوت عنه في كتابة التاريخ لمجمل الشعوب تبعاً لأهواء الكتاب، لا سيما من ذوي الميولات المتشبثة بعقلياتها التي لا يمكن لها أن تتخلص عن العمى الايديولوجي ودوافع الكتابة النفعية، ولم يكن الأمر يستدعي التعميم بقدر الاستثناء، لكن في كل الأحوال، ان النسبة العظمى من الكتاب ينتمون الى الاوصاف التي ذكرناها.
وهنا تقتضي قضية نكران الذات القيمة الأولى لنزاهة الكاتب وتجرده عن أناه التي تفقده مصداقيته مع الآخر، وأعني التاريخ لكونه لم يعد بأي حال ملكاً صرفاً لأحد. في هذا اليوم تمر على العراقيين ذكرى ثورة العشرين الوطنية الخالصة التي انتفض فيها العراقيون بوجه الانكليز، وهي المجابهة التاريخية الأولى من نوعها التي حصلت في تاريخنا السياسي، ومرورها في هكذا منعطف تاريخي صعب ومرير، ويحفز قطاعات واسعة من أبناء شعبنا لاستحضار ذلك الحس الوطني المرهف برغم ما فيه من عفوية ازاء الراهن الذي نعيشه وما نشهده من تآمر دولي يهدف لإبعاد العراق بشتى الوسائل عن استقلاليته وسيادته التي ضحى من أجلها طويلاً.
لعل من أبرز دوافع ما قام به ثوار العشرين هو نوازع بريطانيا لضم العراق كمقاطعة تابعة لها، ولأنها – اي بريطانيا العظمى – كانت متفردة بالقرار الدولي آنذاك، ولذلك وجدت من السهل جداً عليها احتلال العراق، الا انها فوجئت برد فعل شعبي ثوري ابتدأ بعصيان مدني ثم تحول الى مواجهات مسلحة مما دفع لعقد مؤتمر القاهرة الذي تزعمه وزير المستعمرات البريطاني تشرشل بعد توالي الانتفاضات العربية في مصر والعراق واليمن وسوريا وفلسطين، ودراسة اغراء هذه الدول بالاستقلالية المحدودة والمشروطة تنفيذا لمعاهدة سايكس بيكو التي من شأنها أن تسهل الهيمنة البريطانية – الفرنسية عليها.
لم تكن ثورة العشرين حينها ناتجة من تخطيط حزب سياسي أو قومية محددة، برغم اندلاعها من مدن الفرات، فكان في مقدمة الذين تزعموا فصائلها من شيوخ القبائل المعروفة الى جانب رجال الدين، وهذا ما تسبب بحذر دول الجوار من التعامل معها، وبرغم البطولات التي خاضها ثوار العشرين وفي مقدمتهم (شعلان أبو الجون) والثوار الذين هم بمعيته أو بمعية غيره من القادة الا انها لم تكن بالمتكافئة على المستوى التقني، وجميعنا نعرف بأنها اعتمدت على وسائل القتال البدائي (الفاله والمكوار) ازاء عدو يمتلك السيادة الجوية التي من شأنها لوحدها أن تحسم الأمر لصالحها وأعني توفر سلاحي الطيران والمدفعية، لكن الثورة بالنهاية برهنت على ارادة شعبية وطنية رافضة للخضوع والاستسلام لعدو أجنبي. ولا شك ان اهم الأسباب التي أدت الى تراجع الثورة يتمثل بقلة الموارد المالية، وندرة العتاد الحربي، مقابل تفوق العدو.
لقد حاول الساسة الذين سنحت لهم فرص تسنم الحكم في العراق تجيير هذه الثورة لصالحهم وكأنها من صنيعة مختبرات أحزابهم وحركاتهم، بل وأجهدوا أنفسهم حتى في حرفها عن مسارها التاريخي والجغرافي، وهناك من نسب قيادة الثورة للشيخ ضاري، برغم مساهمته، الا انه لم يكن قائداً لها، لكنه وضع في المقدمة لأنه خال عبد السلام محمد عارف رئيس الجمهورية بين عامي 1963 و1966، والانكى من ذلك حولوا الثورة جغرافياً من الرميثة الى (أبي غريب)، ولعل هذا كله ما تم تجسيده في فيلم (المسألة الكبرى) الذي تبنى كل عمليات التشويه التاريخي لهوية ثورة العشرين، من خلال انفاق الحكومة وقتها لأموال طائلة والاستعانة بخبرات فنية اجنبية حتى على مستوى التمثيل، وهذا ما كشفت عنه ندوة لمؤسسة الحوار الانساني بلندن والتي أدارها الشاعر العراقي فوزي كريم وكشف خلالها الباحث الدكتور عباس كاظم المعالجات التي بادر بها لتصويب مذكرات أحد قادة الثورة الشيخ محسن أبو طبيخ، وهكذا اراد البعض تجييرها لأنفسهم في الوقت الذي لم يكن لهم أي دور يذكر فيها، ومن ثم جاء البعثيون ليحسبوها لهم مع انها وبحكم وطنيتها الخالصة لا تصلح حتى تراثاً لهم، وبقيت الثورة محافظة على حقيقتها التاريخية ليومنا هذا.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*