حروب الاقتصاد / بقلم : علي حسن الفواز

يبدو أن العالم قريب من أزمة اقتصادية كونية، ومن عتبات حروب اجتماعية عابرة للقارات، إذ ان الأزمة الاقتصادية النفطية، والأزمة الاقتصادية المالية في اوروبا، وحتى أزمة صعود الحركات الاصولية تعكس هذه المعطيات العاصفة، والدافعة إلى صناعة رعب جديد قد يهدد الكثير من البلدان ذات الاقتصاديات الهشة والمشوهة، والمتورطة أيضا- برضاها أو بعدم رضاها- في حروب المصالح والسياسات والخنادق التي تصممها الولايات المتحدة الاميركية. تزايد مظاهر الأزمة الاقتصادية، وإخفاق اية محاولة في تحسين أسعار النفط، يضع العديد من الدول أمام افق غائم، وأمام سياسات طوارئ قد تزيد من تعقيدات الواقع السياسي المأزوم أصلا، ومن محنة تلبية احتياجات شعوبها، بما فيها الذهاب الى التخندق في كارتلات سياسية او اقتصادية لمواجهة تضخم أزماتها، مثلما تكشف تشوهات البنى الاقتصادية الوطنية التي فقدت الكثير من ركائزها وقوتها في مواجهة التصدع الكبير الذي تعرض له الاقتصاد الريعي المركزي لهذه الدول. كما ان مواقف بعض الدول النفطية خارج منظمة (أوبك) مثل روسيا سيكون لها تأثير مباشر على طبيعة السياسات النفطية للمنظمة، وعلى إمكانية التلويح بتقليل صادرات النفط الى السوق العالمية، فروسيا التي تنتج (10) ملايين برميل نفط تمتنع عن تقليل نسبة إنتاجها لمواجهة أزمة الأسعار المتدنية، وكذلك مواجهة أزمة الروبل الروسي الذي تعرضت قيمته للتدهور جرّاء الأزمة الإقتصادية العالمية. أزمة دول الاوبك النفطية سياسية بامتياز، لان أغلب دولها ترتبط بمحاور السياسات الاميركية، وهذا ما يجعل التفاوض بين هذه الدول، والاتفاق على مشروع محدد للتخفيض، او لاعادة ترتيب البيت النفطي أمرا صعبا وباعثا على القلق، لاسيما مع ما تعيشه منطقة الشرق الاوسط بالذات، والتي تصدّر ثلث نفط العالم للاسواق العالمية، إذ أن الأزمات الامنية المتفاقمة في بعض دول الشرق الاوسط، وانهيار النظم الاقتصادية في البعض الآخر مثل ليبيا واليمن يجعل البيئة السياسية ساخنة، والمظاهر الاقتصادية مشوبة بالارتباك والعشوائية احيانا، وربما يؤدي الى البحث عن (حلول طوارئ) لها مردودات سلبية على الاقتصاديات الوطنية، وعلى امكانية إيجاد افق للحل الواقعي لهذه الأزمة المتفاقمة. وإذ اعتبرنا أن المعالجات التي تطرحها المرجعيات الدولية لمواجهة تداعيات هذه الأزمة على المستوى الاقتصادي وحتى الإنساني، فان ذلك سيظل باعثا على المزيد من التداعيات الخطيرة، لا سيما مع ما صدر مؤخرا من وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لشهر كانون الثاني 2015 من (ان التراجع الذي طرأ على الأسعار حتى الآن ليس كافيا لإنعاش الطلب على النفط، خصوصاً في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين والأداء الخامل لاقتصادات منطقة اليورو). وأوضحت ان المستوى المتدني للأسعار لم يحفز الطلب على النفط إلا في الولايات المتحدة. وتوقعت الوكالة ان يبلغ الاستهلاك نحو 93.3 مليون برميل يومياً خلال العام 2015، مقارنة بنحو 92.14 مليون برميل يومياً خلال العام 2014.وهذا سيدعو في قابل الأيام الى مايمكن تسميته بـ(سياسة المراكز) التي تتحكم بكل اقتصاديات العالم، وبالتالي ستجد العديد من الدول نفسها وسط معمعة من الصراعات الداخلية بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وبسبب طبيعة المراكز الدولية ذات الطابع الشمولي الذي يتقاطع مع بعض سياسات الدول ذات المنزع الثوري أو المتقاطع مع السياسات الغربية مثل ايران وفنزويلا، وهما دولتان مهمتان في منظمة الأوبك. صندوق النقد الدولي والأزمة الاقتصادية تعكس توقعات صندوق النقد الدولي بخفض النمو الاقتصادي العالمي حذرا كبيرا من أزمات محتملة، خاصة في منطقة اليورو والصين والهند، ولعل زيارة الرئيس الاميركي اوباما الى الهند خلال هذه الايام تضع هذا الهاجس في رأس الاولويات الاميركية، فضلا عن ارتباط هذه الازمات بصراعات دولية من جانب، وبمواقف سياسية ذات بعد أمني من جانب آخر، ولا شك ان هنالك كلاما يقال عن إمكانية الاستثمار في ما يسمى (النفط الصخري) الذي تقوم به عدد من الشركات الاميركية الكبرى مثل شركة شيفرون، الاّ ان المعطيات الواقعية تؤكد على أن نفقات استخراج النفوط من هذه المناطق الوعرة سيكون مكلفا وأقل جدوى وربحا، فضلا عن نزوع الولايات المتحدة الى التقليل من إنتاجها النفطي الى 9 ملايين برميل، مقابل فتح قنوات تعاون نفطي مع دول في اميركا اللاتينية مثل البرازيل وكولومبيا للاستفادة من نفوطها، وباتجاه خلق محور نفطي وسياسي في المنطقة بمواجهة محاور سياسية اخرى تقودها فنزويلا. سيكون لتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، واتساع هاجس البحث عن الطاقة البديلة الأثر الكارثي على مجمل السياسات الدولية إن لم يتم تدارك مشكلاتها، لاسيما مع تعرض الدول الفقيرة اقتصاديا الى العديد من الصراعات الداخلية، واتساع مظاهر الفساد وسوء الإدارة، فضلا عن شيوع مايسمى بـ(القرصنة الدولية) للمتجارة بالنفط والأسلحة وفتح أسواق غير شرعية لهذه التجارة، وهو ما يعني إضعافا متعمدا لاقتصاديات دول معينة، وتعريض تنمياتها الاقتصادية والبشرية والتعليمية الى مشكلات خطيرة. مواجهة هذه الأزمات تتطلب العديد من الإجراءات والسياسات العلمية، وبما يعيد النظر بالهيكليات الاقتصادية، تلك التي ظلت تعاني من الضعف والهشاشة، ومن الاعتماد المركزي على النفط، بعيدا عن توسيع مديات مدخولاتها الاقتصادية، وإنعاش بيئتها والبحث عن موارد تسهم في تجاوز عقدة الاقتصاد الريعي الذي بات عرضة لمهددات كثيرة، ومنها ما يتعلق بالصراعات السياسية، وبمحاور الخنادق، وبتضخم ظاهرة الارهاب الدولي الذي تفرض بعض جماعاته هيمنة على العديد من المواقع النفطية في ليبيا والعراق واليمن.

مقالات اقتصادية عراقية

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*