حرث الشعب و السلطة / بقلم : عبد الرضا الجاسم

تجتاح منطقتنا العربية ثورات شعبية، ضربت شرقا وغربا، ولم يعد أيّ نظام بمنأى عن تأثيرها، ولو تمترس خلف شعارات ووعود أكثر بريقا من شمس الظهيرة.

إن استقراء الواقع العربي منذ عقود، وتحديدا منذ انطلاق حركات التحرر، سيكشف بشكل جلي ّ، حجم القطيعة بين الأهداف المعلنة لثورات التحرر، وبين النتائج التي رسمت شكل هذا الواقع، مع فهمنا لارتفاع سقف الشعارات التي ترافق الانطلاقة الأولى لأية ثورة، حتى تتبلور أخيرا إلى نقاط واضحة وقابلة للتطبيق، لكن الذي لا يمكن تفهمه، هو اغتراب النتائج تماما عن المقدمات، وتحوّل تلك الشعارات والأهداف إلى مجرد وسيلة ينتهي مفعولها بنجاح الثورة، لتصبح حدثا تاريخيا يتم الاحتفاء به مع ذكرى الثورة ليس إلاّ، وليست هدفا مستقبليا ناضلت الشعوب من أجل تحقيقه، هذا الهدف الذي منح نهضتها مشروعية التضحيات، ولا معنى لأية تضحية بمعزل عنه، لكن خريطة الواقع العربي تقول شيئا آخر؛ فالتضحيات التي تقدمها الشعوب تنتهي في رصيد السلطة،  وتتحول إلى حق أبدي ّ من حقوق الحاكم، فقط لأنه اشترك في الثورة، أو ركب موجتها.  وحتى على فرض قيادته لها، فان من المضحك المبكي، أن تكون جميع التضحيات حصادا لرفاهيته، وبرهانا على أحقيته بالحكم حتى الموت، فالثورة ليست عملا فرديا لقادتها، بل هي صنع الشعوب وثمرة فعلها، ولولاها لكانت أسماء أكثر الحكام لا تتجاوز قيمتها التعريفية في سجل النفوس، أو لمن يعرفهم معرفة شخصية، ومع ذلك، تم تسويق المعادلة بشكل مقلوب، وأصبح الحاكم هو مادة الثورة وسببها، ولولاه لم يقف حجر على حجر، ولساخت الأوطان بأهلها إلى وادي الجحيم.

وعلى مدى عقود بقي واقعنا العربي يجتر هذه المفارقة المأساوية؛ مواطن بكامل الواجبات وزيادة، وسلطة بكامل الحقوق وزيادة، وعلى المواطن وحده وزر الإخفاقات المتناسلة بلا نهاية، وعليه وحده أن يثبت استحقاقه لصفة الوطنية، بأن يدفع حياته كلها، يخرج من مأساة ويدخل في أخرى، ومع ذلك لا يغادر منطقة التقصير، ويبقى متهما حتى يمنّ عليه القائد بالبراءة، أما هذا الأخير، فليس بحاجة إلى إثبات شيء، فهو صانع الثورة، وله أن يقتات على ذكراها، هو وعائلته وأقاربه وأعوانه، إلى ما لا نهاية، وعلى الشعب أن يملأ أفواههم وجيوبهم، فهذا واجبه، وذلك حقهم، ومن شق عصا الولاء المطلق، فجزاؤه الموت، لأن حياته لا يبقى لها معنى إذا هو تخلى عن إخلاصه، ليس للوطن طبعا، بل للقائد.

ومن هنا نستطيع أن نفهم أوصاف القذافي العجيبة  للثائرين على نظامه، وهم الشعب كله تقريبا، فهم جرذان وكلاب ومدمنون وشاذون، لأنه قائد الثورة، والخروج عليه لا يصدر من إنسان طبيعي. 

لقد ثار الشباب العربي،  لكن احتمال ركوب الموجة قائم، وليس بعيدا أن تقفز أسماء جديدة، تؤثث نفسها بألقاب معاصرة تناسب المرحلة، معلقة على صدورها تضحيات الشعب المسكين، ونياشين الشجاعة من النوع الأزليّ، أو تنجح محاولة بعض الأنظمة الدكتاتورية في رشوة شعوبها بالمال والوعود، وليس مستحيلا أن تقنع جائعا برأيك، إذا كنت تلوح له برغيف الخبز، وأكبر من ذلك، أن تعطي بعض الحقوق، لمن لم يعرف في حياته حقا من حقوقه. 

حجز الفنادق

 لقد تعلمت الشعوب العربية درسها بالطريقة الصعبة، ومقتضى المنطق أنها لن تلدغ من نفس الجحر مرة أخرى، أو هكذا نتمنى، وإلا ّسنعود إلى تلك الشراكة العجيبة بين الحاكم  والمحكوم، عندما يكون الحرث واجبا على المواطن، والخبز حقا للسلطة.

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*