ثقافة “المراجعة من الشباك” / بقلم : ياسين العطواني

لعل من أكثر المفردات اللغوية التي تكرر تداولها في المحافل السياسية ،والمنتديات  الثقافية ، وفي المجالس الإجتماعية بعد عملية التغيير التي شهدتها البلاد هي مفردة التغيير ذاتها ، بكل ما تعنيه من تحول سياسي وثقافي وسايكولوجي” وكان يفترض ان لا يقتصر اي تغيير أو إصلاح على جانب بعينه، بل ان يكون هذا التغيير من الشمول بحيث يتعدى ذلك الى تغيير بعض المفاهيم الثقافية والإجتماعية والسلوكيات المنحرفة التي اعتاد البعض التعامل معها وكأنها من البديهيات المـُسلمة ، ناهيك عن اصلاح ومعالجة الواقع المتردي لمؤسسات ودوائرالدولة وما تعانيه من ترهل وبيروقراطية جعلت من الجهاز الإداري في البلاد بهذا التخلف الذي هو عليه اليوم” ويبدو ان ثقافة عسكرة المجتمع التي كانت سائدة  انذاك قد انتقلت الى واقعنا الجديد ، فلا تزال في الذاكرة صورة ذلك الشباك اللعين ( شباك التجنيد ) الذي كان يساق من خلاله الشباب والشيوخ على حد ٍ سواء الى ساحات الموت ، والذي لا يتسع طوله وعرضه إلا لمرور الفايل” وتلك الأبنية الشبيه بقلاع العصور الوسطى التي أتخذ من زواياها مأوى للخفافيش والعناكب،ومن أقبيتها أكداسا ً للأضابير والأوراق الصفراء التي تحوي أسماء وعناوين الذين أُعدوا للمحارق والحروب العبثية.
وبعد أن طويت تلك الصفحات الرمادية بكل ما تحتويه، كانت الأماني شتى ليس أقلها التخلص من بعض السلوكيات والظواهر غير الحضارية التي نتفق على تخلفها وبطلانها ، ومن تلك السلوكيات التي إصطبغت بها مؤسسات ودوائر الدولة وتوارثتها الأجيال ما يدور اليوم في أروقة هذه الدوائر من أساليب بدائية في تعاملها مع المواطن المراجع ، خصوصا ً الدوائر التي هي على تماس مباشر مع هذا المواطن ، ومنها  ظاهرة المراجعة من الشباك” وهذا الاستخفاف الذي يلاقيه المراجع وهو يتعقب أثر معاملته المثقلة بالتواقيع والأختام العشوائية من شباك صغير الى اخر أصغر منه ، ومن وجه متجهم الى وجه غاضب” وسط أجواء تكتشف من خلالها مختلف عيوب الناس،مثل فقدان الصبر، وفقدان الوقار، وفقدان السيطرة على اللسان ، كما ان عذاب المراجعين في هذه الدوائر يكشف صفحة اخرى من صفحات التخلف الاداري المستوطن الذي يأبى ان يرحل،حتى بات أمر مراجعة الدوائر الحكومية يشكل عقدة لدى البعض  بسبب عقدة الشباك  وما يلاقيه هذا المراجع المسكين من إهمال ولامبالاة إن لم نقل إهانات من بعض الموظفين داخل هذه الدوائر،بعد أن تحصن موظفو هذه الدوائر خلف الأبواب الموصدة وهم يتحركون كالأشباح داخل الأبنية ، تاركين المراجع يكابد حر الصيف اللاهب وبرودة وأوحال الشتاء ، ناهيك عن إحتمال تعرض هذه الطوابير البشرية المتروكة في العراء الى عمل ارهابي متوقع ، وهذا ما حدث في أكثر من مكان وبصورة متكررة ، ثم ان هذه الأجواء تمثل بيئة مثالية لانتشار الفساد بكافة اشكاله وأنواعه . وحتى هذا الشباك ( الكوة ) على بساطته معرض للإغلاق بوجه المراجع في أية لحظة يراها الموظف المعني ، حتى لو قــَدِم هذا المراجع من أماكن نائية وبعيدة” وهكذا بات أمر إنجاز المعاملة بالنسبة للعائلة العراقية مناسبة سعيدة يتبادلون خلالها التهاني وتوزع فيها الحلوى . الملاحظ ان دولا في المنطقة أكثر تخلفا ً،وأقل ثروة من العراق قد تجاوزت بسهولة حكاية العذاب الناتج من مراجعة الدوائر، وودعت الى الابد اللافتة التي تقول (المراجعة من الشباك رجاءً) ، باستخدامها الشبكة العنكبوتية أو الحكومة الالكترونية ، المسخرة  لحل مشاكل الناس . حيث أخذت تلك الدول تعمل بنظام الرقم الوطني ، فلكل مواطن رقم وبطاقة وصفحة الكترونية ينجز من خلالها معاملاته  عبر الانترنت ، فلا جنسية ولا شهادة جنسية ولا بطاقة سكن ولا بطاقة تموينية ولا صحة صدور ولا اختام ولا تواقيع  .
إننا لا نطلب المستحيل عندما نطالب بتخصيص قاعة انتظار داخل كل دائرة لإستقبال المراجعين ، ولا نريد لهذه القاعات ان تكون على غرار القاعات الموجودة في باقي دول العالم والتي هي بمثابة بوفيات تقدم من خلالها المأكولات والمشروبات وأماكن لألعاب الأطفال ، مع ابتسامة عريضة بوجه المراجع بعد اكتمال معاملته . على الرغم من أن المواطن العراقي يستحق أكثر من ذلك بكثير . الحقيقة  اننا بحاجة الى ثورة إدارية تطيح ببعض القوانين والمفاهيم والأدوات البدائية التي تتعامل بها دوائر ومؤسسات الدولة مع المواطن، فقد انقرض زمن الأضابير والفايلات وكتاب العرائض ، بعد ان أصبحت هذه الوسائل من الأدوات الرجعية. لقد بات واضحا ً إن التطور الحضاري الذي تتمتع به مؤسسات الدولة ودوائرها ، وكذلك تطورالقوانين واللوائح التي تنظم هذه الدوائر  في أي بلد من البلدان انما هي انعكاس لمدى التقدم الحضاري والمدني الذي وصل إليه ذلك البلد .

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*