ثقافة البحث عن الزعيم ( ياسين العطواني

يبدو ان بعض الثقافات التي ترتسم في مخيلة الشعوب، بغض النظر عن طبيعة هذه الثقافات، من الصعب الغاؤها أو تغييرها  بين ليلةٍ وضحاها، فهي بحاجة الى مزيد من الوقت، والى وجود ثقافات بديلة ومغايرة لتلك الثقافات، حتى يتم التخلص من تلك الثقافات العالقة في أذهان البعض . وهذا ما يمكن تلمسه من خلال العلاقة التي تربط المجتمع العربي بمفهوم وثقافة الزعيم . فقد استحوذت مفردة الزعيم على الثقافة العربية، وبلغت ذروتها خلال العقود التي رافقت استقلال بعض البلدان العربية، وهي بالمحصلة نتاج لتوجه أستبدادي مؤدلج، فرضته ظروف سياسية واقتصادية وأجتماعية وفكرية متردية، حتى بات التعامل مع هذه الثقافة كأمر واقع لا يمكن الأستغناء عنه، بالرغم من مساوئ هذا الواقع . وبطبيعة الحال فإن هذه المفاهيم لم تأتِ من فراغ، اذ لابد  من وجود بيئة ثقافية قد نشأت فيها، وأدت بالمحصلة  الى تبلور تلك المفاهيم، على اعتبار ان الثقافية كمفهوم هي اسلوب أو طريقة الحياة التي يعيشها أي مجتمع، بما تعنيه من تقاليد وعادات وأعراف وتاريخ وعقائد وقيم واهتمامات واتجاهات عقلية وعاطفية. وهذا التصور ليس بعيداً عن مفهوم  الثقافة العربية، هذه الثقافة  التي أفرزت جملة من المعطيات والمفاهيم، التي كانت ولا تزال تلقي بظلالها على مجمل الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية، والسبب الرئيس في الاستعصاء والممانعة العربية في التعاطي مع المفاهيم الديمقراطية، حتى بات الاستبداد جزءاً من منظومة الثقافة السياسية للمجتمعات العربية، وبالتالي لم تكن لمفاهيم الحرية أو الديمقراطية أولوية في سلم اهتمامات الثقافة العربية. ولعل اخطر ما تشكله هذه الثقافة الصنمية على الحياة الاجتماعية عندما تم تبنيها سياسياً، واخذت تعكس بشكل واضح خصائص ومكونات الثقافة السياسية التسلطية، حيث أن خصائص هذه الثقافة تتجلى بوضوح في مختلف جوانب الحياة العربية، وأن هذه الثقافة التسلطية بما تتضمنه من قيم الرضوخ والتسلط، وما تعكسه من أنماط سلوك تعمل بشكل مستمر ودائم على عرقلة بناء الديمقراطية في البلاد العربية .
إن علاقات التسلط والرضوخ المنتشرة في الحياة الاجتماعية العربية تنعكس في نهاية المطاف على الحياة السياسية ذاتها، فيصبح من الطبيعي للإنسان العربي أن يتقبل أي نظام تسلطي، على  اعتبار هذا ما  تعود عليه طيلة حياته . ويبدو هذا بوضوح في روح الإذعان والاتكالية السائدة في الثقافة السياسية العربية، والإحساس بعدم القدرة على تغييرها، ولذا تنتشر في الثقافة السياسية العربية ظاهرة عبادة الفرد، والاعتماد على الشخصية الملهمة للزعيم البطل . حتى بات مفهوم ( الزعامة ) راسخاً فى أذهان الشعب العربى كموروث ثقافي وأجتماعي، ووصل الأمر الى درجة التقديس، فتجد ان المواطن العربي يتخيل، ان الحياة ستنتهي بمجرد رحيل الرئيس أو الملك، حتى ارتبط التاريخ السياسي لمفهوم الزعامة بجملة كبيرة من انتهاكات حقوق الإنسان، بعدما تعلق الأمر بالزعيم الملهم،  والقائد الضرورة، الذي لا يسأل عما يفعل. لقد أدت هذه العوامل مجتمعةً في نهاية المطاف الى ذبول الجذور الثقافية للديمقراطية في هذه المنطقة من العالم، حتى تم التعايش مع الاستبداد كأمر واقع، وبات أحد الجينات الوراثية التي تتناقلها الأجيال.
وعلى الرغم من التغيرات التي رافقت ما يسمى بالربيع العربي، وتساقط بعض عروش الطغاة، إلا ان الشارع العربي لايزال يعاني من موروثه الثقافي المُخزن في عقله الباطن حول مفهوم الزعيم، فلايزال يبحث عن هذا المنقذ المرتسم في مخيلته، وهذا ما يمكن ملاحظته في البلدان التي شهدت الثورات والانتفاضات، فبعد وصول بعض  فصائل المعارضة الى سدة الحكم، لم تتخلص من تلك المفاهيم، فقد اختزلت مضامين الثورة في تلك البلدان بشخص أو شخصين.
ولهذا يمكننا القول، ان من ألد أعداء الديموقراطية هو ما تنتجه الديمقراطية نفسها من شخصيات ومسميات  تسمى بعد انتصارها بزعامات، وعادة ً ما تصدر تلك الزعامات الأوامر والنواهي، حتى ولو جاءت بالضد من أسس الديمقراطية، أو ناهضت حرية الإنسان وحقوقه، وهذا ماحصل في مصر، بعد ان حاولت تلك الزعامات تغيير مسار الثورة المصرية واختزالها بشخص ٍ واحد . ولاشك ان ذلك يعود الى جملة من الأسباب والمبررات، منها غياب نقص مفهوم الدوله، المتمثله بالمؤسسات، وحصر مفهوم الوطنيه بمدى الولاء للحاكم، وتجسيد الوطن بشخصه حتى يصبح أي رأي مخالف لرأي الحاكم خيانة عظمى للوطن، وهذا المفهوم هو ما حاول الحاكم العربي تكريسه في لاوعي المواطن العربي خلال العقود المنصرمة.

.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*