ثقافة الاعتذار الحكومي ( علي شايع

في مبادرة ربما تكون الأولى من نوعها على المستوى الحكومي للمحافظات العراقية، وكسبق (ديمقراطي) وعلامة تغيير يستحق التدوين، حققت الحكومة المحلية لمدينة الديوانية منجزين مهمين دفعة واحدة؛ فبسبب احتجاجات وفعاليات استنكار نشطت فيها جهات محلية، قدمت المحافظة اعتذاراً سريعاً معتبراً لبعض مراسلي القنوات الفضائية والصحف والإذاعات ووكالات الأنباء ممن تعرضوا للاعتداء على ايدي رجال الأمن، وأصدرت السلطات المعنية أوامرها بإجراء تحقيق فوري في الحادث الذي جرى اثناء زيارة رئيس الجمهورية للمحافظة مؤخراً.
الاعتداءات المأسوف لها ليست الأولى في المحافظة، لكن الحادثة الأخيرة اتخذت طابعاً توثيقياً تم بالصوت والصورة، وبنطاق لا يتغاضى عنه، أو تبتكر حلوله بوسائل التوسط والتراضي الجارية غالباً، ووجدت الجهات المسؤولة نفسها في مكمن الاعتراف، حيث كان عليها – في الأصل – اتخاذ الإجراءات الضامنة لحماية الصحفيين وحريتهم في التغطية دون عوائق، وتقديم التسهيلات الكافية لهم لإنجاز مهامهم.
بالطبع «الاستغناء عن العذر أجدى من الصدق فيه» كما يقول الإمام علي (ع)، والجهات الرسمية بمحافظة الديوانية لم يفتها صدق العذر فاستحقت الشكر، لأنها أنجزت سبق (الاعتذار) و(التحقيق الرسمي) السريعين، هي ومن نشطوا في المسعى.
إن ثقافة الاعتذار بصورتها الرسمية لم يؤسّس لها في واقعنا بشرطها وشروطها، فهي لم تكتمل كأسلوب اجتماعي مدني راسخ، وبقيت ضمن المدونات الوعظية؛ كفضيلة لم تتجاوز المنطوق العابر من الكلمات. ومن الغريب المحزن أن يكون الواقع العرفي بصورته العشائرية – على سبيل المثال – أكثر جدوى من فعل الدولة في ما يتعلق بقضية الاعتذار في المسائل العرفية، إذ يوجب أحياناً تعويضاً مادياً أو معنوياً بحجم الإساءة، والقضية معروفة بمسمياتها الغنية عن
الذكر.
ثقافة الاعتذار الحكومي ستلهم وتحث انتخابياً على اختيار الأفضل لها، ويجب أن يسبقها ثقافة للدولة بهذا الخصوص، فالمدون في وقائع الدولة العراقية من قوانين وتشريعات خاطئة كثير ومتراكم وسيبقى في ذمتها ما لم يتم الاعتذار عنه وتصحيحه أو تشذيبه، أو فضح مقاصده بقدر نية الحكومات التي وضعته وحاولت تثبيته، وهو باق باسم الدولة شئنا أم ابينا.
النظر بعين المسؤولية الى ذلك الماضي ليس ترفاً أو بطراً تاريخياً، وربما ستحتاج الدولة لصفحات طويلة تحاكم وتفضح القوانين الشائنة الصادرة في زمن الديكتاتورية، وحتى الفترات التي سبقتها، وتركت المدون والموثق في الذاكرة القانونية العراقية، والمنشور في صحيفة الوقائع المحلية المعروفة. قبل أيام نشر أحد الأصدقاء في موقع للتواصل الاجتماعي نص قانون عراقي ملكي مجحف يتعلق بتهجير اليهود العراقيين وتسقيط الجنسية عنهم، وفق نص قانوني (قرقوشي) جائر، لا شبيه له، ولا يفوقه في السخرية سوى قانون صدر بإمضاء الطاغية المدان، مطلع الحرب العراقية – الإيرانية، موثق هو الآخر في صحيفة الوقائع الرسمية، ينص على منح أي عسكري يطلّـق زوجته المشكوك في تبعية (جنسيتها) مبلغاً (مغرياً) من المال، بعد ان يتم تسفيرها خارج البلاد.
تاريخ دولتنا وحكوماتها يوجب الاعتذار، فمن لنا بثقافته؟.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*