توصيفات الثورة وكاريزما عبد الكريم قاسم / بقلم : علي حسن الفواز

ليس غريبا ان تثير احداث الرابع عشر من تموز 1958 الكثير من الذكريات والشجونً والقراءات وربما الكثير من الاسئلة، لان هذه الاحداث التي فتحت الافق واسعا امام تغايرات كبرى مسّت المنظومة السياسية العراقية، مثلما مسّت المنظومة الثقافية والنفسية للجماعات العراقية، ولعل اكثر اشكالات التعاطي مع هذه الاحداث هو مايتعلق بتوصيفاتها التي دخلت في المخيال الشعبي السياسي العراقي اكثر مماهي في التاريخ الكرنولوجي، فهل هي ثورة حقا؟ ام هي تعبير عن التعقيدات والتحولات الاجتماعية والسياسية التي كان يعيشها المجتمع العراقي ونخبه العسكرية والايديولوجية؟ ام هي صورة محسنّة للانقلاب العسكري التي ارتبطت بشخصية رجل كارزمي اسمه عبد الكريم قاسم؟ واذا كانت هذه الاحداث تتسم بسمات الثورة، فهل كانت ثورة للفقراء حقا كما اشيع عنها؟ ام كانت ثورة للعسكر، أم ثورة للايديولوجيات. ام انها ثورة للمصالح والصراعات وبعض الاجندات الاقليمية والدولية؟.
هوية هذه الاحداث/الثورة تلبست بهذه التقاطعات والتجاذبات التي تشبه الاسئلة تماما، رغم انها اخذت من كارزما زعيمها عبد الكريم قاسم الكثير من الامتيازات، حتى ان المزاج الشعبي للفقراء او سكان الهامش الاجتماعي يصفونها بانها ثورة هذا الزعيم الكبير، ولم يتحدث هذا المزاج عن اي دور آخر لاي من القوى التي ساهمت فيها بما فيها جبهة للاتحاد الوطني او حتى زعماء العسكر الاخرين الذين شاركوا في صناعة هذه الاحداث. واحسب ان هذه المواصفات التي ارتبطت بهذا الرمز الوطني هي التي جعلت هذا المزاج ذاته يدافع عنه بالدم والتضحيات الجسام عند حدوث انقلاب 1963ولم يكن يدافع عنها كظاهرة ثورية وطنية تهددها العديد من القوى الرجعية والشوفينية في الداخل والخارج، خاصة وان العديد من القوى السياسية الديمقراطية قد تخلت بشكل او باخر عن(كارزما)عبد الكريم قاسم، بسبب سياساته غير المتوازنة مع هذه القوى، والتأثيرات الضاغطة المخابراتية والمالية للعديد من الدول العربية.
سؤال الثورة السياسية ارتبط بجملة من المعطيات التي اسهمت في التفجير الصاخب لهذه الاحداث، اذ ان طبيعة التغايرات التي بدأت تحوط بمنطقة الشرق الاوسط، وتعقد الصراع العربي الاسرائيلي، ومارافقه من صعود المد القومي الراديكالي، مقابل الصعود المتطرف ايضا للمد اليساري الشيوعي ذات النزعات الصراعية المتأثرة بتعقيدات الحرب الباردة وانماط ثقافاتها العمومية والحادة، والتي القت بظلالها على المنطقة، فضلا عن الخواء الداخلي للنظام السياسي الملكي الذي فقد الكثير من توازناتها الداخلية، وضعف اداء مؤسساته في التعاطي مع تنامي صعود القوى الليبرالية والقومية والنقابية، وحتى تنامي الحراك السري للحركات التي يقودها عدد من الضباط، ولعل سوء ادارة الحكومة للاحداث بعد 1954 أي تعليق البرلمان العراقي بعد فوز عدد من القوى اليسارية في الانتخابات البرلمانية كان سببا في تعاظم نفوذ القوى الرافضة للحكم الملكي الذي كان قريبا من القوى الرجعية في المنطقة ومن تحالفات حلف السنتو، والتي ادركت مقدمات نهاية النظام ولم تحفل بالقيام باي دور فاعل لحماية النظام الملكي من السقوط، كما ان ضعف الادوات الاعلامية للنظام الملكي وتشتت مؤسساته اسهم الى حد كبير في تعاظم النفوذ الشعبي للمدّ الثقافي والثوري الرافض للحكم بقطع النظر عن طبيعة نوايا القوى السياسية التي حملت يافطات الثورة.
فهل كانت (الثورة) تمتلك مبرراتها الموضوعية والاجرائية ونظرتها البعيدة لكي تعلن بيانها الاول الذي تحول الى بيان سحري حرك كل شجون وافراح الناس الذين كانوا يبحثون عن منقذ، وعن رغبة حقيقية في التغيير؟ وهل ان ماجرى من احداث خلال ايام الثورة من سحل وقتل مريع للعائلة المالكة ضروري لاعلان الانتصار الكامل على العهد القديم؟
الكل كان يعتقد تقريبا ان النظام الملكي القديم قد فقد مبررات وجوده السياسية والادارية، وان طبيعته التقليدية وعدم قدرته على التجدد اسقطت من حسابه الكثير من التوهج والقدرة على مواجهة التحديات الصراعية داخل الفضاء العراقي المحتقن بمجموعة من الظواهر التي يشكل لبناتها الاساسية العديد من التشكلات السياسية والحزبية والعسكرية، لكن هناك من يقول ان الثورة وبرغم كل رومانسيتها ونزعاتها التجديدية، وبعض قوانينها الثورية في الاصلاح الزراعي وفي الخروج من دائرة الاسترليني وفي اشاعة اشكال محددة للحريات الاساسية وفي تقديم قانون جديد للاحوال الشخصية وغيرها من القوانين، الاّ انها علقت كل مظاهر الشكل الديمقراطي التقليدي للدولة القديمة(تعددية في الاحزاب، تعددية الصحف، برلمان، انظمة وقوانين مدنية، علاقات دولية عميقة) وفتحت الباب للعنف السياسي والعنف العسكري واعطت السلطة كاملة للعسكر وهمشت دور القيادات المدنية في الحياة العامة وفي ادارة شؤون الدولة والمجتمع.. وهذه الوظيفة التي وجدت الثورة نفسها غاطسة فيها بكل رموزها وعلاماتها وقواها برزت بعد سنة واحدة من الثورة حينما بدأت الطموحات الشخصية للقادة العسكريين ذوات المرجعيات الملتبسة امثال عبد الوهاب الشواف والطبقجلي ورفعت الحاج سري وعبد السلام محمد عارف، وغيرهم والتي دفعت جهاز الثورة وقادتها الى معالجات عسكرية خالصة من خلال قمع التمردات العسكرية، واحسب ان هيمنة النزعة العسكرية هي التي قادت فيما بعد الى محاولة اغتيال الزعيم ذاته وتصفيته فيما بعد، فضلا عن انها فتحت الجرح العربي الطائفي والقومي والسياسي على اقصاه، اذ استعرت مؤامرات الطوق العربي بكل ما اوتيت من قسوة لاسقاط الثورة وتخريب منجزاتها وتأليب بعض القوى السياسية والحزبية التي تدور في فلكها، فضلا عن تخريب النسيج العراقي المتنوع وتشكيل مجموعة من الاصطفافات التي ادت الى تمزيق الصف الوطني والسياسي والاجتماعي واسقاطه داخل اتون من الصراعات الدامية والشكوك والتخندقات التي افرزت فيما بعد منظومة كبيرة من الافكار والاتجاهات والمفاهيم اللغوية والفكرية الطاردة للاخر.
كل هذا المآلات والمخاضات والتصدعات التي حدثت في الجسد السياسي والثقافي العراقيين وضعت العصا امام الثورة بمفهومها كتغيير اجتماعي واقتصادي وامام قادتها كرموز للمجتمع والحكم، وربما التعمد في افشال أية نزعة لتشكيل مشروع وطني قد يرتبط بهذه الاحداث وتغييراتها وانماط اصطفافها السياسي والديموغرافي الجديد، رغم ان المحيط العربي كان كله يمور بحراك تحرري سياسي ونضالي واسع وتحت يافطات وعناوين معاداة الاستعمار والرجعية، وهو ماكان يرفعه قادة 14تموز، فضلا عن ان القوى السياسية التقدمية في هذا المحيط كانت في اغلبها تمارس نوعا من الاعلان الصريح عن توجهات الانعتاق من مهيمنات هذا الاستعمار القديم واشكال حكوماته التقليدية واشكال ارتباطها بعديد من المعاهدات التي عدّتها القوى الوطنية بمثابة الخيانة الوطنية، وان شروطها تشبه القيود المفروضة على نهوض وحرية الحركات الوطنية واحزابها ذات الايديولوجيات التي اختلط فيها الثوري والرومانسي والمخيال الشعبي واحيانا الطموحات غير الواقعية، الاّ انها وفي تعاطيها مع حالة الثورة العراقية وقعت في تناقضات غريبة وازدواجية اكثر غرائبية تجلى فيها الحس الطائفي والشعبوي الغريب الذي جرد رموز الثورة وقواها الشعبية من كل مرجعياتها الثورية والتقدمية والوطنية واسقطها في خانة ضيقة عمدت الى تشويه رموزها وتوجهاتها وافكارها وحتى برامجها تحت يافطات بدأت وكأنها دخلية على الاجندة الثقافية والسياسية العراقية، وفيها الكثير من شفرات الصراعات الاثنية التي عاش ازماتها المرعبة العقل العربي في مراحل قديمة من التاريخ السياسي.
طبعا هذه المواقف والممارسات لم تكن غريبة في جوهرها لانها تكشف اساسا عن تعقيدات العقل السياسي والايديولوجي العربي وتشكلاته وازمات خطابه الفقهوي المحتقن بوعي نكوصي اكراهي والخاضع احيانا للكثير من الاشاعات التي كانت تروج لها قوى اجتماعية مرتبطة باجندات داخلية وخارجية، والذي مازال للاسف يحمل ذات العلامات المرضية القديمة التي تواجه الحالة العراقية الجديدة ..
ازاء هذا الواقع الجديد وانزياح مساراته عمد قادة الثورة العسكريون وبعض الايديولوجيين الى مواجهة ذلك بشيء من العنف المباشراحيانا وشيء من التغافل والتسامح غير المحسوب بموضوعية، وطبعا ادى كل ذلك الى ايجاد الكثير من الثغرات في البنية السياسية والامنية والاجتماعية، فضلا عن اثارة الكثير من المشاكل التي فرضت تداعياتها على الواقع وعلى الحراك السياسي، والتي تسبب بعد خمس سنوات من الاضطرابات في سقوط هذه الثورة تحت همجية ورعب اسوأ انقلاب دموي عاشه العراق السياسي في تاريخه المعاصر والذي تسبب بموت الالاف من المدنيين، وانهيار الحلم العراقي، وسقوط فكرة التآخي الوطني وصعود نموذج السلطة العسكرية الديكتاتورية الشوفينية التي انتجت فيما بعد نموذج المهيمن الايديولوجي والسياسي الشمولي في الدولة العراقية..
مراجعة تاريخ الثورة وقراءة ملفات الاحداث التي صنعتها ورافقتها، يعني قراءة كل اشكالات خطابها السياسي وفحص كل الازمات التي واجهتها والاسئلة التي اثارتها، فضلا عن قراءة الاليات الدفاعية والوقائية التي اعتمدتها، والتي ستضعنا حتما امام اعادة انتاج مرعبة للتساؤلات القديمة، والخيارات التي وضعتها امامها في التعاطي مع حسابات وحساسيات القوى الداخلة فيها والخارجة عنها وطبيعة المحيط العربي والدولي الذي يحيط بها والتعرّف على الادوار التي لعبتها هذه القوى في صعود الثورة وفي انهيارها.
فهل جاءت الثورة في ظرفها الصحيح، وفي زمنها الصحيح وضمن خياراتها الصحيحة؟ وهل ان قوى جبهة الاتحاد الوطني وحركة الضباط الاحرار والقوى السياسية الوطنية وضعوا في حسابهم تعقيدات الارض السياسية العراقية التي يتحركون عليها؟ وهل امتلكت هذه القوى قدرة او خيارا اخر للتعاطي مع مشكلات النظام الملكي القديم بعيدا عن التوصيفات الجاهزة التي كان ينعتها بها الاعلاميون والايديولوجيون ومروجو الاشاعات واصحاب الثقافات الشعبية؟ وباتجاه اعادة انتاج النظام وتطوير بعض الحلقات المفتوحة داخل بنيته السياسية مثل الديمقراطية المحدودة والتشكلات الهرمية في نظامه السياسي، دونما اللجوء الى العنف الذي ادى الى تصنيع ظاهرة العسكرة المرعبة داخل المجتمع العراقي والتي انتجت لنا الحروب والايديولوجيات المحاربة والصراعات التي دمرت الدولة والمجتمع، وصنعت لنا اشكالا معقدة من التخندقات التي عوقت عمل القوى التقدمية وهشمتها قبل ان تدمر القوى الرجعية الطائفية المقيتة، لان صعود الارهاب السياسي للقوى الرجعية بكل اشكالها الدموية كان بسبب الانهيارات المتواصلة للمشروع الوطني الطامح لانشاء الدولة العادلة الجامعة التي تحترم الجميع وتشرعن وجودها على اساس المواطنة والعدل والحق واشاعة الحريات واعلان الدستور واحترام حقوق الانسان، وبسبب هيمنة النزعة العسكرتارية التي همشت أي حراك حقيقي للديمقراطية وتعليق الحياة الدستورية وقادت فيما بعد الى اشكال معقدة من الحكم التوتاليتاري العسكري ذي الطموحات المضخمة التي اصطنعت لها موجهات ونزعات ادت فيما بعد الى الحروب العبثية وتصفية القوى المناوئة للسلطة .
السؤال يخص الجميع من علماء السياسة والاجتماع يكمن في وضع معطيات احداث 14 تموز/1958 امام تاريخ ماحدث بعدها من تغيرات نوعية اصابت المجتمع العراقي، واصابت المشهد السياسي بفوبيا الدولة الوطنية، فضلا عن الدعوة الى اعادة قراءة ملفات الثورة والاستفادة من دروسها وظروفها وقراءة اسباب انتكاستها بعد زمن وجيز، رغم كل ما كانت تتمتع به من دعم شعبي ووطني، لكنه كان بدون مؤسسات فاعلة وبدون اغطية دستورية بكل ماتعنيه من محمولات(قوانين للاحزاب وحريات اعلامية مكفولة وسياسات متوازنة على الصعد الداخلية والعربية والخارجية، اذ
لعبت هذه السياسات ادواراً معروفة في اجهاض الثورة وانهاء عمقها الانساني وسماتها الرومانسية واطلاق العنان للقوى الشوفينية لان تمارس اخطر سياساتها في تاريخ العراق المعاصر.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*