تمثيليات التأريخ الفادحة ( كريم عبد

في كتاب مازن جزراوي (عشر سنوات في قصور صدام حسين) عن (دار الحكمة – لندن) تكاد صورة الغلاف تُلقي بظلالها ودلالاتها على سيرة المؤلف والديكتاتور وموضوع الكتاب. وهي صورة لستة من موظفي القصر الجمهوري، وقد بدا الديكتاتور يصافحهم الواحد تلو الآخر ممتلئاً ثقة بنفسه ورضىً واضحاً على ملامح وجهه وعلى ملامح الرجال الستة أيضاً، وواضح كذلك إن الرجال الستة هم من عشاق الديكتاتور ومريديه الذين خدموه بكل ما يستطيعون. صورة الغلاف هي لقطة انتظرها مازن جزراوي طويلاً، فها هو )السيد الرئيس القائد) بكل ما يملك من سلطة ورهبة يمد يده ويصافحه. 
 الصورة تضج بمشاعر لا يعرفها إلّا عشاق الديكتاتور حين يحظون بقربه ليعيشوا لحظات كثيفة من اللذة السلبية، لذة التابع حين يمارس خضوعه أمام السيد. مازوشية في أوضح صورها، مازوشية قد لا يعيها هؤلاء الضحايا الذين لا يدركون إن كل جهود أجهزة صدام طوال عقود انصبت على إيصال أكبر ما يمكن من العراقيين إلى اللحظة التي هم فيها، لحظة تتضعضع فيها إنسانية الإنسان فلا يعود يميز بين امتهان الذات وبين محبة الإنسان (لقائد) معين إعجاباً به! إنها واحدة من إلتباسات كثيرة عاشها العراقيون مع صدام حسين وعهده المظلم. ولكي نفهم خلفيات ذلك نعود ولو سريعاً لبداية صعود الديكتاتور: ليست جميع اللحظات السياسية صالحة لصعود نجم الديكتاتور، والتجارب المختلفة في بلدان عديدة تشير إلى تشابه في طبيعة اللحظة السياسية التي تصنعه وتدفع به إلى الواجهة. إنها لحظة انهيار القيم وضياع المفاهيم بعد اضطرابات سياسية متتالية دون أن تحمل حلاً. تتسع لحظة فقدان الحل لتتحول إلى حالة من الخذلان السياسي العام. تصبح الأزمات أكبر من قدرة المجتمع على تحملها فتبدأ ثقافة (البحث عن منقذ) بالنشوء والاتساع، ولأن ثقافة البحث عن منقذ تنتمي أساساً إلى الماضي، إلى ما قبل الدولة المعاصرة، فإن بروزها في المجتمعات المعاصرة يدل على خلل في الواقع، خلل ثقافي ينتقل إلى الوعي الجمعي. وفي لحظة كهذه يبزغ نجم الديكتاتور. 
لحظة مضطربة تصنع شخصيات وأحزاباً متزمتة تتظاهر بالانضباط وتفتعله افتعالاً لتعممه على الدولة والمجتمع معاً. هذه هي طبيعة الأحزاب النازية حاضنة الديكتاتور وصانعة سلطته المطلقة.. إنه (المنقذ) القاسي حيث تتطوع الفئات المخذولة من المجتمع للإلتفاف حوله وإعلان محبتها له والإيمان بقدرته الخارقة.. ومن يرفض هذه المحبة أو يشكك بتلك القدرة سيُجبر عليها إجباراً أو يلاقي مصيره المحتوم أو يهرب كما فعل مازن جزراوي في النهاية.
 ساعدت تلك الظروف، ظروف الستينيات العراقية، البعثيين على صناعة (اسطورة) صدام حسين بعد عمليات تجميل إعلامية عديدة، فوجدَ الصحافيون البعثيون الذين تصدوا لإتمام المهمة سهولة ملحوظة في تقديم (السيد النائب) بكل الصفات التي أغدقوها عليه، ولم يكن هو غبياً بل كان ثعلباً ماكراً عرف بسرعة ملحوظة الدور المنوط به وعدّة العمل المطلوبة لتأدية ذلك الدور الذي سيرفعه إلى عنان السماء ثم يهبط به إلى الحضيض، كما هو حال من سبقوه في تأدية دور البطولة في تمثيليات التاريخ الفادحة، فعندما تصبح السياسة تمثيلية ستحتاج إلى شخصيات على طراز صدام وجوقة من الأتباع والصحفيين وكتّاب الأغاني ومنفذي الأوامر.
ومع تكرار وتراكم الدعاية والصور والأوهام يصبح لشخصية الديكتاتور سحرها الخاص عند أصناف عديدة من البشر. والصنف الأكثر شيوعاً هم أولئك الذين يعانون من الشعور بالعجز والخذلان فيجدون في مناصرة الديكتاور وحبه والركوع أمامه خلاصاً من خذلانهم وخواء أرواحهم، فيظلون خاضعين لسطوته مؤمنين بأوهامهم عن قدراته العجيبة، ويحدث أن يستمر ذلك حتى بعد هزيمته وانحداره إلى الحضيض، فهم يفعلون ذلك لأنهم لا يملكون خياراً آخر، وهذا ما يفسر سلوك الصداميين بعد سقوط النظام.
أما الصنف الآخر فهم ينتمون لجيل وُلد وحين فتح عينيه على الدنيا لم يجد أمامه سوى صور الديكتاتور وقصوره والأغاني التي تشيد بأسمه وحروبه، وحيث لا يملك الكثيرون وعياً بديلاً فقد سقطوا في غرام الديكتاتور، وأحد هؤلاء هو السيد مازن جزراوي. فليس اعتباطاً أن يختار صورة الغلاف تلك، حيث يصافحه الديكتاتور مع شلة من زملائه خدم القصر، وصدام عندما منحهم فرصة التصوير معه بهذه الطريقة الاستعراضية فهو ليس بحاجة إليها بل هو فعل ذلك لأنه يعرف حاجتهم هم لمثل هذه الصور، التي حرص جزراوي أن يحملها معه حتى عند هروبه من قصور الديكتاتور وتخليه عن محبته، ليجعلها غلافاً لكتابه. 
إنها الصورة التي طالما حلم بالحصول عليها كمعادل مادي ودليل على الحب المتبادل بينه وبين الديكتاتور.
 يقول المؤلف ( لا أنكر بأني حين البدء بعملي في بداية الثمانينات، كنت من المعجبين جداً بشخصية صدام حسين التي كنت أتلهف لمتابعتها عن طريق الصحف أو الشاشة التلفزيونية الوحيدة .. نراه متكلماً بارعاً يواصل نصح وارشاد القادة والمسؤولين .. اضافة إلى جولاته التفقدية في بيوت المواطنين والمدارس والجامعات.. كنت أتصوره كأب يحتضن أبناءه .. لكن للأسف ما لبثت هذه الصورة الرائعة أن استحالت إلى غشاوة مكدّرة حجبت عيني عن رؤية الحقيقة المؤلمة، خاصة أثناء العمل والاحتكاك به وبعائلته وأزلامه، يوماً بعد يوم بدأت هذه الغشاوة تنقشع لتحل محلها غمامة سوداء قاتمة لا بداية لها ولا نهاية. وكنت كلما أتقدم ضمن مراتبي الوظيفية وأقترب من شخصه أكثر فأكثر تزداد معرفتي واطلاعي على خفاياه الدنيئة وأدائه الاجرامي وديكتاتوريته البغيضة) ص6 
إن فرصة تأمل طبيعة العلاقة النفسية والوجدانية والمفارقات التي تخللتها بين موظفي قصور صدام وبين سيدهم وأولاده ومرافقيه من خلال هذا الكتاب، توفر لنا فرصة جيدة لفهم التجربة الديكتاتورية وما تفعله بمشاعر المواطنين ومصائرهم المأساوية وخاصة أولئك الذين أحبوا الطاغية وأخلصوا في خدمته دون أن يعلموا بأنه حتى المحبة تثير ريبة صدام وشكوكه وقسوته المريرة، لقد أخطأ المؤلف أو محرر الكتاب بوضعه الفقرة المعنونة (عملي وهروبي) في آخر الكتاب ص210 إلى 226 ، المتضمنة سيرة مازن جزراوي داخل القصور، وهي أكثر الفقرات صخباً وعنفاً حيث كان ضحيته هو والعاملين معه. كان ينبغي أن تكون تلك الفقرة في أول الكتاب. ومما له دلالة هنا إن (كامل حنا) مرافق صدام الذي قتله عدي بضربة عصا في حادثة شهيرة، هو من رشح جزراوي لوظيفة (مسؤول القصور وخدماتها) التي أستحدثها صدام في 1987 بعد تزايد عدد قصوره التي وصلت إلى 155 قصراً عام 1991، وحيث يشرح المؤلف بالتفاصيل عملية قتل عدي لكامل حنا، يذكر في نهاية الفقرة المذكورة كيف كان صدام يتخلص بالغدر من أي شخص في محيطه يتمتع بشعبية ملفتة بين أقرانه (وكان مرافقوه يحذون حذوه حين لا يعجبهم شخص لا سلطة لهم عليه مثل كامل حنا فقتلوه، كنتُ أشعر بأن بعضهم لا يرتاح لي .. لذلك بدأت أشعر إن العيون الخبيثة تتلصص للغدر بي .. وكان أهم علامة على ذلك أن صرت أفقد يوماً بعد يوم قسماً من كادري لسبب أو من غير سبب وذلك بحبسهم أو قتلهم) إنها قصور الريبة والغدر تلك التي كان يسميها الديكتاتور ب(قصور الشعب)! والواقع إن الست عشرة صفحة التي استغرقتها تلك الفقرة هي واحدة من أخطر الوثائق على فهم الطبيعة المريضة واللاإنسانية لصدام ونظامه، والأحداث التي يسردها تصلح أن تكون سيناريو لفلم مهم ومؤلم.
وعبر فقرات الكتاب، وبالاضافة لوصف مسهب لمواقع وتفاصيل معظم قصور الطاغية وما حدث في داخلها من فضائح وألاعيب ومفارقات غريبة، فالكتاب ينطوي أيضاً على معلومات وأسماء وأحداث وتفاصيل وتصويب لأخبار شائعة، تضيء لنا جوانب عديدة لمجتمع من الذئاب والكواسر يتسم بالغدر والابتذال حكم العراق في غفلة من التاريخ أكثر من ثلاثة عقود!! كل هذا يجعل من (عشر سنوات في قصور صدام) أحد المراجع المهمة في فهم سلوك الديكتاتور وسيرته المظلمة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*