تلاشي الهوية ( علي شايع

قالت بصوت أم مكلومة: لم يصرفوا “تقاعدي” هذا الشهر!. بعد غياب أيام أقعدتها مرضاً، راجعت دائرة التقاعد، ليخبرها الشخص الإداري استحالة إخراج شكل بصمتها بعد (الطمغ) بحبر خاص، فالبصمة تبدو ممسوحة من الإصبع!. الموظف المسؤول لم يصرف راتبها لأنه مقيّد بتعليمات وشروط يحاول الالتزام بها بحرفية حد الروتين.
عادت إلى بيت بلا معين، تقلّب أبصارها وتتعزى بأن مصيبتها أهون الشرّين.
ربما ستكون هذه القصة حدثاً عابراً في سياق مواجع كثيرة، لكن النظر إلى تلك الفئة العمرية بعين الرحمة أوجب في غالب الأمر من النظر بعين قانون (لا يبصر). والنظر بعين المناصرة الإنسانية أولى من التسويف، ورمي التبعات على عواتق الأيام، وهي تمضي من أعمار آباء وأمهات لم يجدوا سنداً كافياً، في أبهى أفراحهم بتغيير ديمقراطي عاصروه في سنوات أعمارهم الأخيرة. ومن يشاهد تجمهر بعضهم على شبابيك المراجعة، سيشعر بوخز ضمير ولوعة، فالراتب التقاعدي ليس هبة أو منحة استعطاف، بل هو حق معلن وواجب على دولة مسؤولة وفق التزامها المبدئي الوطني، ووفق مواكبتها الشروط الحضارية الدولية، بالسعي إلى تحسين هذا الفرض المالي بموازاة العيش الكريم.
تلك المرأة الموجوعة، سألت عن قانون التقاعد الجديد، هي لا تعرف التعبير بمفردات رنانة، لكن الموجوع يستطيع أن يطلق آهاته!،
وهي مفهومة وتصل أفضل من كل المفردات واللغات. تحدثت عن الحد الأدنى للراتب التقاعدي بمواجهة متطلبات معيشية صعبة، و”مصاريف” مراجعات طبية مستمرة، وتحدثت عن التهميش والتجاهل لمشاكل المتقاعدين، وعن المقاصد السياسية!.
ولعلّها تعني ما قدمّه النواب من وعود، وما تناوب عليه أهل المسؤولية من تصريحات منذ سنتين؛ تسويفاً ومماطلة دون إقرار قانون التقاعد الجديد!. ولعلّها  تريد توضيح مخاوفها من ترحيل القانون إلى الدورة الانتخابية القادمة، هرباً من المشكلة الإدارية، أو كما يقول البعض “طمعاً بتحقيق مكاسب سياسية في أصوات المتقاعدين”.
وفي كل الأحوال، لهذه المرأة ومن معها حقهم بالاعتراض وإعلان الاحتجاج واستخدام الحق الدستوري.
في نفسي طموح (حزين) لهذه المرأة العاجزة، براتب تقاعدي مجزٍ، ومأوى دولة خدمتها، إن لم يكن بالوظيفة، فبأبناء قضى منهم لأجل هذه البلاد وكانوا أضاحي لها..
مأوى يطببها أو يشغل بعض ساعات فراغها ويوفر لها مكاناً مشرّفاً تلتقي فيه بأقرانها، أو تستضيفها الدولة في سكن إن لم يكن لها من مأوى آمن.
أما حكاية “انمحاء” البصمة من يدها، فهي دلالة على فرض الحياة لشروطها؛ بوجوب انمحاء التمييز وتلاشيه بين البشر، وإن بمراحل عمرية معينة!، فهالات البياض على الرؤوس ستوحد الجميع، مثلما تتناهبهم التجاعيد والانمحاء.. انمحاء الذاكرة والجسد!..فهنيئا لمن يُكرم قادم أيامه من خلالهم، دون تمييز.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*