تكافؤ الفرص أم "التوازن الدستوري" ؟ / بقلم : د. مهدي الحافظ

توقفت باهتمام كبير ، عند فقرات البيان الصادر عن اجتماع رؤوساء الكتل والاحزاب الحاكمة في العراق ولا سيما تلك النقطة المهمة المتعلقة بالدعوة الى اجراء مسح في المؤسسات بهدف حماية وتعزيز التوازن الدستوري في بنائها وذلك على اساس طائفي بالدرجة الاولى .
ان عقدة ما يسمى ” بالتوازن ” او ” التوافق الطائفي ” هي عقدة عميقة واصيلة في ممارسات وسياسات التيارات السياسية الحاكمة . وهي كذلك عقدة خطيرة للغاية بالنسبة للنسيج الاجتماعي ومستقبل العراق الديموقراطي الموحد،  لا يمكن ان يجري تجاوزها وغض النظر عنها بدعوة مثالية مفادها التظاهر بالحرص على المصالح الوطنية المشتركة واهمال ما هو اساسي وجوهري في لائحة حقوق الانسان والمواثيق العصرية . لم يكن ممكنا لهذه الظاهرة ان تعيش وتتقدم لولا اصرار العديد من القوى الحاكمة على تثبيت مبدأ المحاصصة الطائفية عنوانا لادائها وممارسة صلاحياتها على صعيد الدولة والتنمية الاجتماعية .
لم يكن العراق يوما ضحية لهكذا ممارسات لولا بروز الطائفية بمعناها السلبي اساسا لتشكيل المؤسسات وهيئات الدولة المختلفة . واليوم اذ تثار هذه المعضلة بصوت عال ، والمقصود بها هو حماية القاعدة الداعية لتقسيم المواطنين الى طوائف وأثنيات وتجاهل الحاجة الملحة التي تجسد روح العصر والقواعد الانسانية النبيلة والداعية بدلا عن ذلك الى التمسك بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة  في النهوض بهذه المهمة الجليلة .
ان العراق يعيش منذ سنوات في دوامة مستمرة من الصراعات الطائفية والاثنية والتي اسفرت عن قيام مؤسسات وهيئات حكومية لا علاقة لها بمبدأ ومعايير الكفاءات والمؤهلات العلمية والمهنية كاساس لانجاز هذه المهمة الكبيرة في بناء الدولة وحماية الوحدة الوطنية .
المؤسف ان بعضا من هذه الحركات بدأت مشوارها السياسي وادائها العام بنبش وتغذية الصراع الطائفي والترويج للمفاهيم والاساطير الوهمية  . وترتب على ذلك ، محاربة الطائفية القديمة بطائفية جديدة . هذا أمر خطير ومدمر ولا يمكن ان يستمر بأي حال من الاحوال . ولعل التجارب التاريخية السليمة التي مر بها العراق تؤكد وتشير الى ان توزيع المناصب على اساس طائفي أمر مرفوض ابدا . ففي العهد الملكي كان اول رئيس لجامعة بغداد هو د . متي عقراوي . وهو مسيحي وخبير دولي معروف وذو سمعة وطنية مميزة . ثم أعقبه بعد ذلك ، وفي عهد الزعيم عبد الكريم قاسم،  العالم المعروف الدكتور عبد الجبار عبد الله وهو صابئي ليشغل رئاسة جامعة بغداد في جو ديموقراطي سليم من حيث المنافسة المهنية واظهر في ادائه علامات مهمة في احترام الوحدة الوطنية وذوي الكفاءات من جميع الطوائف .
لا يمكن للعراق ان يشق طريقا سليما ما لم يعود لمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في بناء المؤسسات والهيئات الحكومية ولا يمكن له ان يعزز وحدة وطنية حقيقية ما لم يجعل من هذا المبدأ اساسا للمصالحة والتعاون الوطني بين جميع الفئات، لذا فأن المصلحة الحقيقية تقتضي ان نجعل من ” تكافؤ الفرص ” اساسا لبناء الدولة والوحدة الوطنية بدلا عن اسطورة ” التوازن الدستوري ” و ” التوافق الطائفي ” وما شابه . هذا هو التحدي الكبير امام الجميع من المواطنين والعاملين في الشأن العام .

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*