تقنين الوعي الشعبي / بقلم : حسن الكعبي

تحاول بعض النظم التي تمتلك نوعا من السيطرة في توجيه الوعي الشعبي، التدخل في صناعة هذا الوعي وفق مقاييسها والسيطرة عليه سيطرة كاملة حتى في خصوصياته وفي الامور العامة التي لا تقبل التوجيه لكونها من البديهيات التي يدركها الوعي دون الاستعانة بموجهات إرشادية، مثل المناسبات التي خصصت لها ايام معينة في اشهر معينة، فمجيئها في هذه الايام يعني الاحتفاء بها دون الرجوع الى المرجعيات الفكرية وسؤالها عن المشاركة في هذا اليوم ام عدمها، لان هذا اليوم مثلا متفق عليه ولا يقبل الخلاف او أن هذا اليوم هو يوم عالمي يحظى باحتفاء جميع شعوب العالم مثل أعياد رأس السنة او عيد العمال الذي شهدنا الاحتفاء به في الاول من هذا الشهر وهو الدافع لهذا الموضوع.
ان هذا اليوم هو من الايام التي يعرف القاصي والداني بأنه يوم عالمي يُحتفى به على نطاق واسع, لكن وفي سابقة لافتة او لربما انها كانت ضمن المطمورات التي لم يتم التنبه اليها، ان يتم النظر الى هذا اليوم في سياق كونه من منتجات المفاهيم اليسارية المتخارجة عن افق منظورات البروليتاريا، ولأن الافق النظري اليساري هو افق إلحادي فان هذا اليوم سيدخل في دائرة التكفير بالتبعية في حين ان أصل الاحتفال بهذا اليوم يأتي على خلفية النزاعات العمالية في شيكاغو لتخفيض ساعات العمل في مدينة هاميلتون ضمن الحركة التي تعرف بحركة الثمان ساعات، ثم الحراك الذي حصل في تورنتو سنة 1886، ما أدى إلى ظهور قانون الاتحاد التجاري الذي أضفى الصفة القانونية على هذا الحراك، وقام بحماية نشاط الاتحاد في العام 1872 في كندا. وتمت المسيرات كدعم لحركة الثمان ساعات، كما أن إضراب عاملي الطباعة أدى إلى الاحتفال السنوي في كندا في العام 1882, – حسب الموسوعات التي ارخت هذا اليوم -.
تفرض هذه الرؤى نسقا خطيرا على مستويات الوعي الاجتماعي، ذلك ان هذا النوع من انواع السيطرة يعمل على اغتيال الوعي وتقنينه ضمن نمط من الاستجابات السلبية، فهذا اليوم وعلى فرض انه ترسخ بفعل الوعي اليساري الاشتراكي إلا ان ذلك يحسب له لا عليه، فضرورة إشعار العمال بأهميتهم في بناء المجتمعات وإخراجهم من دائرة الاستعباد البرجوازي والسيطرة الاقطاعية التي كانت متحكمة, هي ضرورة لكل المجتمعات في دائرة البناء والتنمية، وهذه الضرورة ليست حكرا على الوعي الاشتراكي وإنما هي ضرورة لا بد ان تستشعرها جميع النظم، لادراكها بأن الطبقات العاملة لا تنتمي لليسار وانما هنالك ضمن هذه الطبقة اصحاب ميولات مختلفة او انها بالاساس غير معنية بالانتماء وانما تتحرك بوعيها البسيط في الدائرة الاجتماعية الكبرى، ولذلك فان الاحتفاء بها وإشعارها بأهميتها هو واجب الدائرة الاجتماعية اعترافا بفضيلة هذه الطبقة في تسيير متطلباتها.
في هذا السياق قال الفنان القدير محمود حميدة في لقاء اجري معه في برنامج (سهرة مع نجم) من على قناة (نايل سينما) في معرض رده على سؤال حول اهمية الفن في التنمية وبناء الوعي وتطوير الفكر: ان الفن بشكل عام قناة مهمة من قنوات التنمية والبناء الفكري وهو ضرورة تتجاور مع بقية الضرورات التنموية في صناعة الحياة، لكن لو ان السؤال كان بطابع شخصي أي عن اهمية محمود حميدة مثلا قبالة عامل البناء او الفران فان اجتهادي الشخصي سيشير الى اهمية هؤلاء، فأهميتي كفنان هي اهمية نخبوية أما اهمية هؤلاء فهي اهمية اجتماعية خصوصا الفران اذ بامكان الناس الاستغناء عن مشاهدة افلامي دون ان يضرها شيء ولكنها لا يمكن ان تستغني عن الفران لان الاستغناء في هذه الحالة سيقترن بالضرر.
ان وعي محمود حميدة لم ينطلق ضمن توجهات يسارية وانما ضمن موجهات تنويرية تحرص على تأكيد رؤية اسبقية الضرورات الاجتماعية على النخبوية، فهو يؤكد على طابع الاهمية للفن بشكل عام، لكن الاهمية تتضاءل عندما يضيق نطاقها بشكل خاص، وهذه الاهمية التي ادركها وعي الفنان هي الاهمية التي تجعلنا نصف هذا الوعي بالتنويري التقدمي لانه وعي يتخطى حدود الادراكات الايديولوجية الى حدود ادراكات الامور في سياق الموضوعية والواقعية الكفيلة بجعل الرؤى واضحة ويقينية غير محجوبة بعتمة الرؤى الايديولوجية التي ستحصر بالتأكيد تلك الاهمية في انتاجيتها قبالة انتاجية الآخر .
ان الدرس الذي يقدمه الفن هو درس في تحضر الفن وتحرره من عقد ويقينيات الفئوية في النظر الى الاشياء، والتي ستسهم – أي النظرة الفئوية – في تقنين الوعي ووضعه في دائرة ارتيابية في النظر الى كل ما هو مختلف، وبالتالي فان التقنين سيسهم في اغتيال الوعي بجعله عدائيا لا يتقبل فكرة الاهمية في انتاجية الآخر مهما بلغت تلك الاهمية بالاسهام في رفاهيته حياته ذاتها، لانه سوف لن يستجيب الا الى ارساليات هذا النسق الرجعي الذي تفرضه النظم المحتفية بقينياتها.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*