تقشف بلا خطط ( ساطع راجي

 يمكن للحكومة ان تتخذ المزيد من الخطوات التقشفية، صحيح انها ستحصل على موجة غضب شعبي كبيرة لكن قوى الحكم مطمئنة الى غياب اي بديل سياسي في الوقت الراهن، ورغم ان سياسات التقشف قد توفر للحكومة بعض الاموال او تنقذها من الاستمرار في تسديد النفقات العالية الا ان التقشف لن ينقذ الاقتصاد العراقي وهو اقتصاد يتهاوى منذ زمن بعيد ولم يكن انخفاض اسعار النفط الا الحلقة الاخيرة في التهاوي الذي تتمثل أركانه في انعدام الانتاجية والانفاق المسرف وضغط الاحتياجات الامنية والفساد الواسع.
يمكن للحكومة اتخاذ خطوات تقشفية أخرى ولكن ماذا بعد ذلك؟!، هذه الخطوات لن تكون حلا لانعدام الانتاجية، عندنا شعب في النهاية، ورغم كل الضجيج، لا ينتج شيئا، مصانعه المتوقفة تتآكل ولن تكون اعادتها للعمل مجدية اقتصادية واذا كانت هناك مهارات صناعية فردية فإنها لا تمثل قاعدة كافية لقيام نهضة صناعية، وفي مجال السياحة يكاد يكون الضجيج العراقي اعلى عن المواقع الدينية والاثرية والطبيعية لكن في الوقت نفسه لا المجتمع ولا الظرف الامني ولا القوانين ولا الواقع الخدمي تسمح بسياحة حقيقية. كل ما يمكن للسياحة فعله هو توفير فرص لزيارات دينية قصيرة ودون انفاق حقيقي للزائرين.
 في الزراعة تبدو الفرصة أفضل لكن هذا المجال لن يوفر فرص عمل كثيرة وهو يبقى خاضعا لنظام ملكية الارض التي تغلب عليها الملكيات الصغيرة التي لا تسمح باستثمارات كبيرة، كما ان هذا القطاع مرتبط بأزمة المياه والمشاكل الدولية.
 وبسبب الكثير من التعقيدات سيبقى المنتج العراقي هو الاعلى كلفة مقارنة بدول الجوار الا اذا توفرت سياسة اقتصادية طويلة الامد وبخطة واضحة وصارمة خارج سياق الهوس بتوزيع الاموال على الفلاحين دون متابعة لاستثمارها كما حدث في السنوات السابقة.
إخراج العراق من الاقتصاد النفطي سيكون مدخلا حقيقيا للاستقرار السياسي وهو لن يتحقق إلا بالتحول الى اقتصاد صناعي ثقيل، هذا النمط سيخرج المواطنين من ولاءاتهم المتطرفة وينظمهم في سياقات عقلانية ومنفعية أكثر وضوحا وانضباطا كما انه الاقتصاد الوحيد الذي سيوفر فرص عمل كافية للاعداد المتزايدة من السكان وينقل الانضباط المجتمعي من المؤسسة الامنية الى المؤسسة الاقتصادية عبر تحديد نمط الحياة والسيطرة على الزمن ومنهجة التفكير العام ووضع اهداف موحدة للسكان.
هذا الحل الاقتصادي يواجه عقبتين، الاولى انه لا يمكن تحقيقه عراقيا إلا بدور كبير للمؤسسات الصناعية الاجنبية ليكون العراق نقطة تصنيع لتلك المؤسسات في المنطقة بالضبط كما هو الحال في الهند واندونيسيا.
 العقبة الثانية تتمثل في قوى الحكم التي تفضل الاعتماد على النفط المار عبر خزينة الدولة للاستمرار في فرض سيطرتها على المواطنين والتحكم بحياتهم وطريقة تفكيرهم، هذه القوى تعرف طريق انقاذ العراقيين من الفوضى الامنية والتدهور الاقتصادي وما يبدو هنا حلما انما هو حقيقة سهلة التحقيق لكن قوى الحكم تصورها للناس على انها مجرد تخيلات لا يمكن تطبيقها رغم ان الواقع يقول عكس ذلك، وإذا كان ممكنا ان نوفر كل شيء للاستثمارات النفطية الاجنبية فلماذا لا نفعل الأمر نفسه لأنواع أخرى من الاستثمار ستكون أكثر فائدة وأقل ضررا من الاستثمار النفطي؟!.
قوى الحكم تعرف ان نمط الانتاج يعني بصورة مباشرة نمط الحياة وهي – وخلافا للمصلحة العامة – حددت سلفا نمط الحياة الذي تريده وتصمم على التمسك بنمط معين من الانتاج (الريع النفطي) حتى لو قاد الى الإفلاس وهي مستعدة لإفقار الناس والدولة من أجل ابقاء هيمنتها.
 الامر الحاسم هنا هو وعي الناس بمصالحهم الحقيقية المشتركة التي تعبر بهم الانقسامات المصطنعة بالاموال والسلاح وصخب المتطرفين.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*