تفجيرات طائفية ( علي حسن الفواز

التفجيرات الارهابية التي طالت منطقة السيدة زينب تكشف عن إصرار غريب على (تطييف) الصراع في سوريا، وحتى في المنطقة بشكل عام، لأن هذه التفجيرات تعني مكونا معينا، وتعني منطقة لها رمزية أثنية وثقافية معينة، لكن الأخطر في هذا الأمر هو تزامن هذه التفجيرات مع انطلاق المفاوضات بين الحكومة السورية ومعارضيها، وكأن هناك أجندة اقليمية وداخلية تحاول فرض تصوراتها على الجميع، وعلى مسار المعالجات التفاوضية.
أزمة الصراع في سوريا لم تعد موضوعا محليا، وحتى بُعدها الاقليمي بدا أقل تعبيرا عن قدرة دول المنطقة على فرض حلولها، وهو ما يعني تحوّل الموضوع الى شأن دولي له حساباته وحساسياته، وبما يضع المنطقة بوصفها بؤرة صراعية تحت طائلة معطيات ما يجري في الميدان، وما يجري على طاولات الدبلوماسية، وعلى وفق توزيع المصالح والمغانم، وهو امر بدا فاضحا في إثارة  أسئلة مكشوفة عن الخسائر التي راحت تعيش تداعياتها تلك الدول التي دعمت الجماعات الارهابية، والتي حاولت عسكرة الصراع، وفرض حلولها التقسيمية على الأرض، فمعطيات الأرض المحروقة أفقدت تلك الدول هيبتها، ووضعت جماعاتها في خانة (المشكوك به) فضلا عن تعطيل قوتها الافتراضية في فرض خطابها التفاوضي خلال جلسات مؤتمر جنيف3.
كما أن حجم التدخل الدولي وضع هؤلاء في خانق ضيق أفقدهم القدرة على المناورة، حتى أن طلب العون من دول اقليمية لها مصالحها المعروفة لم يعد يجدي نفعا ولا تأثيرا، ولا يُعطي أي زخم لمواقف بدت شائهة ومُربكة وخاضعة لمزاج مشوش ومثير للسخرية.النزعة الطائفية لصنّاع الحرب كشفت أيضا عن مأزق حضاري وسياسي سيطالهم حتما، فغياب العقل عن الكثير من الخيارات والحسابات يعني تضخيما للنزعات اللاعقلانية، والتي يمثل التكفير والإرهاب أكثر وسائلها تعبيرا، مثلما يعني تورطا في أوهام فاضحة لها شياطينها وأشباحها، والتي ستظل مصدر قلق وخوف من أي تحوّل سياسي حقيقي قد يحدث في المنطقة، لاسيما بعد أن انكشفت الكثير من عيوب الادوار التي مارستها هذه الدولة أو تلك، والتي راح ضحيتها الآلاف من البشر، فضلا عن آثارها المدمرة على البنى التحتية وسبل التعايش بين الجماعات الوطنية، وخلق بؤر صراعية من الصعب السيطرة على تداعياتها الثقافية مستقبلا.
التضخيم والتهويملم تعد خافية طبيعة التدخلات في الأحداث السورية، والحمى التي أصابت البعض لتغيير المعادلات على الارض، أو على مسار طاولة المفاوضات، لكن التشرذم الذي تعيشه المعارضات، وفقدانها القدرة على المواجهة، وضعها أمام نزوع سياسي ملتبس يقوم على ثنائية التضخيم والتهويم، فالأول يعني تضخيم الأحداث والمطالب، والثاني يفترض أوهاما لخلق نوع من النِدّية على مستوى التكافؤ السياسي، أو على مستوى البحث عن تعويض في لعبة الخسارات السياسية والعسكرية.وتضخيم الأحداث يجرّ معه الكثير من الوقائع التي باتت أكثر كشفا لمأزق تلك الدول من جانب، ولعجز ما يسمى بـ (المجتمع الدولي) عن إيجاد أية معالجة حقيقية لها من جانب آخر، ومنها ما يتعلق بالأحداث اليمنية، والأحداث في ليبيا، والتغافل عن تضخم الظاهرة الداعشية في شمال ليبيا وفي بعض دول القارة الافريقية، وكذلك في جنوب اليمن، إذ من الصعب جدا وضع معالجات هنا، والتغاضي عن معالجات هناك، لأن هذا يعني الإبقاء على ثغرات خطيرة في المجال (الجيوسياسي) وعلى طبيعة الخارطة السياسية والأمنية في المنطقة، والتي من الصعب الاطمئنان الى معطيات ما يمكن أن تتركه (البراكين الخاملة) على مستقبلها، ومنها ما يتعلق بمستقبل دول الخليج ذاتها، لأن وهم الاطمئنان سيظل محفوفا بالخطر، وأن شيوع الممارسات اللاعقلانية سيظل عامل تهديد ثقافي مرعب، و(ترياقا) سريا لتنشيط ثقافات الارهاب والتكفير والكراهية وثقافات العزل والتطهير، ولعل ما يحدث من أحداث وتفجيرات في شرق السعودية ما هو إلاّ دليل على تضخم تلك النزعات، خاصة بين الشباب ممن يخضعون الى تأثير فتاوى التكفير الرسمي في السعودية، والتي لا تنفع معها كل الاجراءات الرسمية التي تتحدث عنها الحكومة السعودية.
العراق وفوبيا الدولة القويةيمثل العراق في هذا المسار العقدةَ الأخطر، لأنه بات يملك القوة لمواجهة الجماعات الارهابية وقهرها، وهذا بطبيعة الحال يعني تقوية مؤسسته الأمنية الرسمية، مقابل بروز القوة الشعبية بوصفها قوة صيانية لها دوافعها ومبرراتها في مواجهة الارهاب والتكفير الطائفي، وهذا أيضا من الصعب إخضاعه للعقل المؤسسي الضعيف حتى الآن عن معالجة وضبط ملفات أمنية واقتصادية وسياسية خطيرة، وبقطع النظر عن المواقف الدولية والاقليمية من ذلك، فإن بروز القوة الشعبية سيظل خيارا وطنيا، ومن الصعب تشويهه، رغم أن الكثير من الدول لا تطمئن للعراق القوي، ولا لوجود دولة عراقية جديدة من شأنها مواجهة التحديات الوطنية الكبرى، ففوبيا هذه الدولة تشكل خطرا على العقل الطائفي في المنطقة، وأن الموقف منها سيخضع – حتما- لحسابات خارجية، وحتى داخلية عند البعض ممن يعملون على إضعاف مؤسسة الدولة، لتضخيم مصالحهم وأدوارهم وحساباتهم، مقابل فرض خيارات معينة مرتبطة بمرجعيات تلك الأجندات والخنادق الدولية والاقليمية، وأحسب أن هذا الرهان على خطورته سيعني أيضا المزيد من صناعة الأزمات والحروب الطائفية، لذا يمثل الحل القهري للأزمة السورية العمق الستراتيجي لحسم ملفات أخرى في العراق واليمن وحتى في لبنان ومصر وليبيا، لأن منسوب الخسائر سيكون أعلى، وأن الدول التي تستنزف ميزانياتها لدعم صناعة الرعب والموت ستفقد هيبتها، وخزائنها أمام قوى جديدة أدركت اللعبة والمأزق والخديعة.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*