تحولات الربيع العربي / بقلم : ياسين العطواني

تشهد مصر هذه الأيام انعطافة تاريخية، متمثلة  بانتخاب أول رئيس للجمهورية وفق المعايير والأسس الديمقراطية المعتمدة دوليا ً. وبغض النظر عن الشخص الذي يحكم هذه البلاد ، أو الجهة التي ينتمي اليها ، وما تحمله من توجهات فكرية وأيديولوجية، فإن هذا الحدث يمثل خطوة مهمة وسليمة  بالإتجاه الصحيح في التحول نحو الديمقراطية، وهي أولى ثمار الربيع العربي  الذي يقطفها الشعب المصري اليوم، وبالتأكيد سيكون لها  أثر  إيجابي  على شعوب المنطقة، بحكم الثقل الكبير الذي تمثله مصر في عموم  منطقة  الشرق الأوسط.
ومن الملاحظات التي يمكن الأخذ بها من قبل دول الربيع العربي في هذه المرحلة الإنتقالية، هي الإستفادة من تجارب الدول التي مرت بهذه التجربة، فعادة ًما يرافق عملية التغيير والتحول من النظم الدكتاتورية والشمولية الى النظم الديمقراطية التعددية الكثير من العواق والمعرقلات التي تحول دون الإنتقال الطبيعي  الى المسار الديمقراطي، وخصوصا ً في عالمنا العربي، وذلك بفعل التركة الثقيلة، وأرث الماضي للأنظمة الدكتاتورية، وكذلك تحديات الحاضر التي لاتقل خطورة عن ذلك الماضي البغيض ، والمتمثلة بحداثة التجربة الديمقراطية في العالم العربي، وغياب الدولة الحديثة، والمؤسسات القادرة على استيعاب وهضم المفاهيم الديمقراطية. ولكن بالمقابل علينا الأخذ بنظر الإعتبار ان لكل بلدٍ تجربة مختلفة عن البلد الآخر في مرحلة التحول نحو الديمقراطية، كما ان  تحديات هذا التحول مختلفة أيضا ً، وبالتالي لا توجد نماذج ثابتة لكل من أراد بناء مؤسساته الديمقراطية، بل إن السبيل للحفاظ على الديمقراطية واستمرارها يختلف من بلد إلى آخر، إلا ان الأسس والمبادىء العامة للديمقراطية تبقى واحدة . ومن هنا ينبغي التمييز بين الإنتقال الديمقراطي والحكومة الإنتقالية،  والتي  تعني في فترة زمنية محددة ومعينة  تشكيل حكومة  في انتظار الوضع النهائي لحالة الإنتقال الديمقراطي ، ومنها الانتخابات والدستور وبقية منظومة الإنتقال الديمقراطي.
ان الديمقراطية تكون موضوعية عندما تتوفر لها مستلزمات النجاح الضرورية، التي يرى البعض انها غير متوفرة الآن في دول الربيع العربي، على اعتبار ان معظم الدول العربية لا تزال تعاني من سيطرة النموذج السياسي لمرحلة ما بعد الاستقلال عن السيطرة الاجنبية، وهذا النموذج قد فشل في تحقيق الديمقراطية والحرية لشعوب المنطقة.  ولكن هذا لا يعني التسليم بهذه الرؤية، فالكثير من المفاهيم والرؤى قد تغيرت، وقد دخلت عوامل مؤثرة في تغيير المعادلات والفرضيات السابقة، ومنها العامل التكنولوجي، والمتمثل بثورة الاتصالات، والاتصال السريع، وكان لهذا العامل الدور الكبير والمؤثر في الثورات والانتفاضات العربية، من خلال عملية التواصل الاجتماعي، والتنسيق بين شباب الثورة، والقائمين على الحراك
الشعبي.
ان على الشعوب العربية، وفي هذه المرحلة الحساسة والخطيرة، ان تدرك حقيقة في غاية الأهمية وهي، أن مجرد إلحاق الهزيمة بالنظم الاستبدادية لا يعني التحول نحو الديمقراطية ، فقد يتم استبدال دكتاتوريات أكثر سلطوية بتلك الأنظمة، لذا فان إقامة الديمقراطية واستمرارها تتطلب فترة ليست بالقصيرة لكي تترسخ في النفوس، وتتحول الى ممارسة ونهج. وضمن هذا الإطار توجد عدة  عوامل لنجاح وأستمرار الديمقراطية، وفي مقدمتها ضرورة الالتزام بالوحدة الوطنية ، وخصوصا في البلدان التي تشهد تنوعا ً عرقيا ً ودينيا ً وطائفياً، على اعتبار ان الوحدة الوطنية هي المحرك الرئيس لإقامة ديمقراطية بناءة، وان يستكمل ذلك بوضع دستور متفق عليه، وقوانين محددة لحماية هذا الدستور، وإيجاد مؤسسات انتخابية تعددية،  ومجتمع مدني فعال، وقضاء مستقل، وإعلام حر،  حتى وان تفاوتت هذه المحددات من بلد
لآخر.
ومن الواضح أن الديمقراطية تحد صعب، ولا يمكن أن تكون هدية مجانية، إلا ان الشعوب أدركت في نهاية المطاف، أنها هي التي ستصنع مستقبلها. ونعتقد أن الطريق إلى الديمقراطية وتطبيقها يحتاج إلى جهود مضنية، وضريبة كبيرة، وعمل شاق، وفكر متفتح، وعلى الجميع إدراك هذه الحقيقة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*