تحديات وزارة خارجيتنا ( باسل محمد

من اهم نظريات العلاقات الدولية ان نمو اقتصاد الدولة و استقامة نظامها السياسي و قوة امنها الداخلي هو المدخل الفعال لدور قيادي لهذه الدولة في المنطقة و العالم .. اما مع العراق، فأن جميع العناصر،  الأمن و الاقتصاد و نظام الحكم السياسي الديموقراطي مازالت تواجه الكثير من المصاعب و الثغرات. بسبب قناعة السياسيين و الشارع في عراقنا بأن التدخل الاقليمي في الوضع الداخلي العراقي وراء تدهور الأمن و الاقتصاد وتفاقم الخلافات بين القادة السياسيين، فأن البحث عن ادوار محورية و قيادية للعراق على المستوى الاقليمي، يمكنه ان يكون عملاً او حلاً استباقياً لمعالجة مشاكل الأمن و الاقتصاد و النظام السياسي،  دفعة واحدة وهذا الهدف و هذا التوجه كان يجب ان يكون في اولويات وزارة الخارجية.
منذ العام 2004 ، اي منذ ان اقلعت وزارة الخارجية في النظام السياسي الجديد في العراق، فأن عمل الوزارة ركز على ملف اعادة العلاقات الدبلوماسية  مع دول الاقليم و العالم وكان مقياس تقييم عمل الوزارة ينحصر في كم سفارة اجنبية جاءت الى بغداد وكم سفارة عراقية فتحت في الخارج.
في ظروف وتعقيدات المشهد العراقي،  يمثل تبادل البعثات الدبلوماسية مع الدول انجازاً مهماً  باتجاه الاعتراف بالعملية السياسية الجديدة  ودعمها  والتي بقيت لسنوات طويلة ومازالت موضع شك او انتقاد من بعض الدول منها دول الجوار.
لكن في ظل المتغيرات الخطيرة الجارية في العالم العربي ومع ارتفاع سقف التحديات الامنية و السياسية والاقتصادية في الداخل، فأن التبادل الدبلوماسي وتعزيزه لن يصنف على انه انجاز فريد لوزارة الخارجية، كما ان هذه البعثات الدبلوماسية لم تضطلع باسهامات حاسمة ولافتة لدعم العراق اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً .. بصراحة،  تواجه ستراتيجيات وزارة الخارجية  بهدف بلورة دور اقليمي فعال للعراق تقاطعات وارباكات من الاطراف السياسية المنقسمة مع نفسها بشأن ملفات المشاكل مع الكويت و الخلاف مع السعودية و الاحداث في سورية والبحرين و التجاذبات في لبنان وطريقة التعاطي مع ايران و القصف التركي لشمال العراق.
المؤكد، ان هذه الانقسامات تعطل اي جهود مفترضة لدى وزارة الخارجية لكي يتمكن العراق من اخذ استحقاقه القيادي في قضايا المنطقة .. ومن دون اي التباس، فأن تحركات وزارة خارجيتنا بشأن ملف اقليمي ما  ستجهضه ارهاصات السياسيين هنا وهناك والتي في الغالب ترسل بأشارات الى دوائر القرار في الدول الاخرى مفادها  ان وزارة الخارجية في عراقنا لا تملك صلاحية اتخاذ قرارات و رسم سياسات خارجية واضحة وحازمة مع هذه الدولة الاقليمية او تلك او مع هذا الملف او ذاك.
بشفافية اكبر و ابعد، يؤشر بقاء وزارة الخارجية خارج ساحة المنافسة للعب ادوار قيادية في مشاكل المنطقة وانشغالاتها الى ثلاثة امور جوهرية أولاً،  ان هناك اطرافاً داخلية لا تريد للعراق دوراً قيادياً في العالم العربي و الشرق الاوسط وتعتقد هذه الاطراف ان تجربة صدام في لعب دور محوري في المنطقة كلف البلد اثماناً باهظة من امنه و اقتصاده و سلامته ولذلك يجب عدم تكرار هذه التجربة رغم ان الحقيقة العلمية تقول ان نظام صدام سعى الى دور قيادي اقليمي عن طريق الحروب و البطش في الداخل واستنزاف الموارد الوطنية في المجهودات الامنية و الاعلامية التي تخدم الدكتاتور لا الدولة وكل ذلك اسهم في تدمير مقومات العراق واضاع عليه اي فرصة لدور قيادي اقليمي ولذلك يجب ان لا تشكل تجربة طموح الدكتاتور نحو ادوار اقليمية قيادية صدمةً لبعض السياسيين الحاليين.
وثانياً، ان بعض الاطراف الداخلية يؤمن ان البحث عن دور ستراتيجي للعراق في المنطقة  ربما يعرض البلد لمخاطر جديدة وان العراق من دون هذا الدور القيادي مستهدف فكيف الحال مع الدور القيادي؟!
وثالثاً، قناعة بعض السياسيين في ان العراق لا يمكنه الوصول الى مواقع قيادية اقليمية بحجم الدور الايراني او التركي او السعودي.
في علم النفس السياسي، فأن توجه السياسيين العراقيين للعب ادوار حيوية في المنطقة  سيؤدي الى نتيجتين خلاقتين الاولى،  تراجع حدة الفساد والنزاعات الداخلية بسبب الشعور المتزايد لدى السياسي عندما يتولى دوراً قيادياً في المحيط الاقليمي بانه ارفع من ان يكون مسؤولاً فاسداً او مصدراً للصراع على السلطة، كما ان لعب مثل هذه الادوار القيادية  ستنمي ارادة السياسيين لخلق وضع داخلي اكثر استقراراً وقوةً وازدهاراً. والنتيجة الثانية، ان الخصوم الاقليميين المفترضين والذين تحوم حولهم الشبهات بالتدخل السلبي في الشأن الداخلي للعراق سيعيدون حساباتهم مع العراقيين لأن الدور القيادي الاقليمي معناه  ان العراق اصبح عنصراً مؤثراً في سياسات وحياة هذه الدول الاقليمية.
في صدارة الدلالات السياسية من لعب العراق دور قيادي في الشرق الاوسط ان السياسيين العراقيين دخلوا مرحلة ترتيب اوراقهم و مواردهم وان فكرة القوة في الداخل تعزز من القوة في الخارج اصبحت برنامج عمل وطموح.
من ابرز العقبات التي تقف امام بلورة دور قيادي اقليمي للعراق، استمرار بقاءه تحت طائلة البند السابع من قرارات مجلس الأمن التي تجاوز عمرها اكثر من عقدين وهو الامر الذي يجعل الآخرين يتعاطون مع هذا الدور القيادي العراقي لو برز بقدر كبير من التشكيك، فالفصل السابع يعني ان العراق هو بلد معزول وناقص السيادة.
في تجربة بعض دول المنطقة، هناك نوعان من الدور القيادي الاقليمي، نوع من الدول يطلب منه من دول عظمى لعب ادوار محورية في المنطقة مثل الاردن وقطر، فالدولتان صغيرتان تعيشان بجانب دول كبيرة في الشرق الاوسط  وهذا هو النوع الثاني، فهذه الدول الكبيرة مثل العراق و ايران و السعودية و تركية تتمتع بتاريخ جيو سياسي و جيو ستراتيجي يؤهلها في الاساس لتنفيذ ادوار قيادية اقليمية من نفسها.
برغم كل التحديات التي تواجه العراق في الداخل و الخارج، فأن وزارة خارجيتنا يمكنها التحرك نحو مهام قيادية في المنطقة شريطة ان يكون عملها مهني بامتياز  وان تتصرف في كونها احدى مؤسسات الدولة و ليست الحكومة وليست الاحزاب.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*