تحجيم الفكر الاجرامي / بقلم : فلاح صدام خصاف

لا نجد مجتمعا في كل انحاء الكرة الارضية يخلو من الجريمة مهما كانت درجة رقيه، وتقدمه، وتطوره، وتعدد ثقافاته، فالجريمة وجدت منذ ان وجد الانسان على الارض
وقد اخبرنا الله سبحانه وتعالى بأول جريمة حصلت على الارض عندما قتل قابيل اخاه هابيل في قوله تعالى: (فطوعت له نفسه قتل اخيه فقتله فأصبح من الخاسرين) المائدة 30، واذا ما علمنا ان الله العزيز الحكيم اوجد الخير والشر في طبائع البشر لقوله تعالى: (وهدينه النجدين) البلد 10، نعرف ان الجريمة حصيلة تغلب طابع الشر في تصارع الضدين الخير والشر في النفس البشرية.
ومن اهم اهتمامات الانسان هو الأمن الذي يبدأ بأمن الذات صعودا الى امن الدولة مرورا بأمن الاسرة وأمن المجتمع، وما الجريمة الا اهم مشكلة في ضعف الامن وعدم الاستقرار.
وتختلف نسب الجريمة ونوعها، وأساليبها، وفنونها، من مجتمع لآخر على وفق الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، فالجريمة وليدة ظروف متعددة وعوامل متشابكة لا يمكن الوقوف على تأثيراتها ومؤثراتها بسهولة، فانبرى كثير من العلماء والباحثين خصوصا اولئك المختصين بعلم الاجتماع لمتابعة اسباب الجريمة والوقوف على العوامل التي تساعد على وجودها وتحديد نسب تأثير كل عامل من العوامل في السلوك الاجرامي.
وقد اختلفت الآراء، وتنوعت الافكار، وتنازعت المذاهب، كل يؤشر سبب او اكثر في وجود الجريمة، وكل يعرض مبرراته ويقدم اعتماداته على هذا العامل او ذاك وقد هيأ دفوعاته بأسانيد بحثية وتحليلية.
واذا ذهب الفلاسفة (ابقراط وسقراط وارسطو وافلاطون) الى ان المجرم يتصف بنفس منحرفة لعيوب خلقية وجسمية، فان عالم الاجتماع الاميركي (تورستن سيلين) يرى ان التفكك الاجتماعي له الدور المهم في نمو وتزايد الظاهرة الاجرامية لدى الفرد، بينما العالم (هرشي) وزميله (جونفردسون) يقولان: ان الميل لارتكاب الجريمة يكون بسبب انخفاض ضبط الذات، ويأتي رأي العالم ريتشارد بان الوراثة هي سبب رئيسي في الاستعداد الاجرامي من قبل الفرد فيما قال اخرون ان هنالك علاقة بين الجريمة والدوافع النفسية للمجرم منها الشعور بالنقص، والغيرة، والطمع، والحسد والغرور، و الحقد و الكراهية، والانانية، والتحامل على الآخرين.
ومهما تكن الاسباب، والمبررات، لارتكاب الجريمة فلابد من مفهوم واضح يحدد معالمها فنقول (الجريمة نوع من الخروج على قواعد السلوك المقبول التي يرسمها المجتمع للافراد من جهة والخروج على قواعد القانون المقبول من جهة اخرى).
اما المجرم فيعرفه (بول تابان) (انه ذلك الشخص القادر على القيام بفعل يتعدى على القانون) فيما يقسم (انريكوفيري) من منظري المدرسة الايطالية المجرمين الى (المجرم بالولادة، والمجرم المجنون، والمجرم بالصدفة، والمجرم بالعادة، والمجرم الانفعالي والعاطفي) وعند الاطلاع على رأي دوركهايم نجده يقول (ان المجتمع هو المسؤول عن ارتكاب احد افراده الجريمة لانه ارتكب الجريمة تحت تأثير النظام الاجتماعي القائم والظروف التي المت به سواء كان سببها البيئة السيئة او سوء الحالة الاجتماعية او ظروف الحياة القاسية الاخرى.
ومعاقبة المجرم امر واجب لابد منه، من اجل سلامة المجتمع وامنه، فعدم معاقبة المجرمين، وتركهم يفعلون ما يشاؤون يؤدي الى شيوع الفوضى وفقدان امن المجتمع وتخلخل استقراره.
كان العقاب للمجرم قائما على اساس الانتقام خاليا تماما من فكرة اصلاح المجرم وتأهيله للعودة الى المجتمع، وكانت (السجون) التي هي اماكن تنفيذ العقوبة خالية من ابسط الشروط الصحية.
وحيث ان العقوبة هي وسيلة في تحقيق العدالة وردع المجرم اضافة الى ردع الآخرين وليست غاية، لذا ظهرت نظريات عقابية تحول العقوبة من مجرد عقوبة الى اصلاح المجرم وتأهيله للعودة الى المجتمع عنصرا نافعا.
ومن الاساليب الاصلاحية في المؤسسات الاصلاحية هو وجود الباحث الاجتماعي ودوره في تحجيم الفكر الاجرامي لدى المجرم وتأهيله لكي يكون عنصرا فاعلا في بناء المجتمع.
المجرم مهما كانت جريمته، كبيرة او صغيرة، معقدة او بسيطة، واضحة ام غامضة فهي تخضع وضعه النفسي لحالتين: حالة نفسية ما قبل القيام بالجريمة، تفاعلت مع الظروف التي هيأت لوقوع الجريمة، وحالة نفسية لما بعد وقوع الجريمة التي تتفاعل مع نتائج العمل الاجرامي.
ربما تتطابق الحالتان فيصر المجرم على ارتكابه الجريمة، بل ويتوق الى جريمة اخرى عندما تسنح له الفرصة بانفلاته من القانون.
او ربما تتناقض الحالتان بنسب متفاوتة بين مجرم وآخر، يصل ذلك التناقض حد رفض الجريمة التي قام بها عندما كان تحت تأثير ظروف الدفع نحو ارتكاب الجريمة.
دور الباحث الاجتماعي، في ان يجعل التناقض على اشده، حتى يتم الانفصال تماما بين السلوك الاجرامي الذي سلكه المجرم لأسباب وعوامل كان مقتنعاً بصحتها، وبين الوضع النفسي الذي رعاه الباحث الاجتماعي بأساليب متطورة لاعادته الى المجتمع بعد انتهاء فترة عقوبته عنصرا ايجابيا فاعلا قادرا على تجاوز عقدة الجريمة والاندماج في المجتمع والعمل على تطويره.
لذا فان مهمة الباحث الاجتماعي في المؤسسات الاصلاحية، مهمة اصلاحية ليست سهلة، ولا بسيطة، كما يتصورها البعض، بل انها مهمة صعبة وشائكة ومعقدة تحتاج الى طرق متجددة واساليب علمية متطورة في كيفية التعامل مع المجرم لنقله من مرتبة الاجرام الى مرتبة المواطن الصالح وهذه المهمة تتطلب من الباحث الاجتماعي ان يكون متسلحا بأحدث اساليب التعامل النفسي وان يكون على معرفة بالواقع الاجتماعي الذي كان يعيشه المجرم ودراسة الظروف التي احاطت بالمجرم ودفعته الى ارتكاب الجريمة ومن ثم التعامل مع المجرم على وفق خطة يضعها الباحث الاجتماعي يتم تقييمها وتقويمها بين فترة واخرى حسب نسب النتائج التي تظهر عنده من خلال التعامل النفسي والانساني مع المجرم.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*