تجريم التحبيذ والترويج للعنف في القانون العراقي / بقلم : القاضي ناصر عمران الموسوي

التحبيذ والترويج هما: الاستحسان والدعوة ويحصل التحبيذ المشتق من (حبذا) عن طريق سلوك فردي أو جماعي يحاول إضفاء حالة الإقناع بدلا من النفور على الآخر في أمر ما وبنشاط قولي, وهو ضرب من التحريض غير المباشر الذي تتناهى فيه الأنا لرسم القبيح في صورة الحسن, أما الترويج فهو: صورة العلانية التي تتخذ وسائل وصور معينة في التعبير عما تروم تحقيقه ,كي تكون عبر ترويجها مرشدا ً ودليلا ًللمبدأ أو الفكرة أو الهدف, واكتسابها لصفة العلانية يجعلها بمتناول الجميع متوقفة على قوة و نشاط الجهة المروجة ولا تتحدد بالمكان الذي يتم الترويج فيه فكما تكون خطبة يمكن أن تكون أغنية او لوحة أو مسرحية أو كتابا ثقافيا أو تصويرا ورسوما أو نصا شعريا.وقد أشارت إلى تجريم التحبيذ والترويج للنهج الهدام والكراهية الفقرة (2) ًمن المادة (200) من قانون العقوبات العراقي والتي شهدت التعديل من قبل إدارة السلطة المدنية بعد التغيير الذي شهده العراق بموجب الأمر الصادر من مدير سلطة الائتلاف رقم 7 في 17 حزيران 2003 حيث تم إلغاء الفقرة (1) المقترنة بحزب النظام السابق في حين احتفظت الفقرة(2) بهيكلتها التي تنص على ما يلي. ( يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس كل من حبذ أو روج أيا ًمن المذاهب التي ترمي إلى تغيير مبادئ الدستور الأساسية أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية أو لتسويد طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات أو للقضاء على طبقة اجتماعية لقلب نظم الدولة الأساسية الاجتماعية او الاقتصادية او لهدم اية نظم من النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية متى كان استعمال القوة او الإرهاب او اية وسيلة أخرى غير مشروعة ملحوظا في ذلك.
ويعاقب بالعقوبة ذاتها:
كل من حرض على قلب نظام الحكم المقرر في العراق او على كراهيته او الازدراء به او حبذ او روج ما يثير النعرات المذهبية او الطائفية او حرض على النزاع بين الطوائف والأجناس او أثار شعور الكراهية والبغضاء بين سكان العراق)
والحقيقة إن النص المذكور الذي تم تشريعه كانت غايته الرئيسة المحافظة على نظام الحكم آنذاك, وشأنه شأن كل مواد القوانين الأخرى التي تم تجييرها لمصلحته, بالرغم من ان الأساس التشريعي لهذه المادة جاء من قانون العقوبات الهندي الذي تدرج العمل به إبان الاحتلالين العثماني والبريطاني وحتى صدور قانون العقوبات البغدادي في عام 1943 ثم أخذت تسلسلها ضمن المواد العقابية لقانون العقوبات رقم 111لسنة 1969 المعدل, وقد شهدت المادة المذكورة تعديلات كثيرة حيث عدلت بالقانون رقم 107 لسنة 1974 وبالقانون رقم 145لسنة 1974وأخيرا ً بالقانون رقم 111لسنة 1978قبل تعليق العمل بالفقرة (1) من المادة المذكورة ,والتي استقرت بصورتها الحالية, والجرائم التي نحن بصدد الحديث عنها وحسب نص المادة (200 /2) تكونت من عدة فقرات وهي التحبيذ والترويج للمذاهب التي ترمي إلى تغيير مبادئ الدستور الأساسية أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية أو تسويد طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات أو للقضاء على طبقة اجتماعية أو لقلب نظم الدولة الأساسية الاجتماعية والاقتصادية أو لهدم أي نظام أساسي لهيئة اجتماعية, كل ذلك أذا لوحظ أو أقترن كل ذلك باستعمال القوة أو الإرهاب أو أية وسيلة أخرى غير مشروعة, ثم تأتي الفقرة الأخرى لتضيف جريمة أخرى ألا وهي جريمة الكراهية عن طريق التحريض على قلب نظام الحكم أو على كراهيته أو الازدراء به, وكذلك كل تحبيذ او ترويج يثير النعرات المذهبية أو الطائفية أو حرض على النزاع بين الطوائف والأجناس أو أثار شعور الكراهية والبغضاء بين سكان العراق . وقد استخدم النظام السابق هذه المادة ضمن مواد كثيرة لإلصاق التهم بكل من يعارض سياسة نظامه, وتدرجت العقوبات من السجن سبع سنوات الى الحبس ,فضلا عن احكام الفقرة (1) الملغاة والتي تعاقب بالإعدام على مجرد نقد النظام السابق فضلا ً عن التحريض على نظامه, وأثبتت الحقائق التي أكدت ان النظام المباد فهو نظام عصابة كل مسؤول فيه يمتلك صلاحية قتل أواعتقال أي شخص وهدم داره وتهجيره, وما النصوص القانونية إلا عبارة عن اطر ديكورية خارج التفعيل, بل ان النظام ذاته بمنظومته الارهابية هو المتهم الرئيس فيها هو نظام استخدم العنف في تغيير المبادىء القانونية والدستورية والاجتماعية وهو النظام الذي مارس الشوفينية العنصرية والطائفية والاضطهاد القومي والمناطقي, واليوم ينص الدستور الدائم على تفعيل هذه المادة بتطبيق يتماشى مع رؤية المبادئ الديمقراطية ومعايير حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة, فما تزال فاعله ولم يتم إلغاؤها حيث تنص المادة (130) من الدستور على ما يلي تبقى التشريعات النافذة معمولا ً بها, ما لم تلغ أو تعدل, وفقا ً لا حكام الدستور ) كما ان الدستور ولأهمية جرائم التحبيذ والترويج للنهج الهدام و الكراهية فقد حظر الدستور الدائم لسنة 2005 في المادة (7) منه كل كيان او نهج يتبنى العنصرية والإرهاب والكراهية والتكفير وأضاف خصوصية نظام البعث ألصدامي ورموزه وتحت أي مسمى كنموذج سيئ لمنهج العنف والكراهية ولا يمكن أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق, وينظم بقانون, ولان تنظيم ذلك لم يتم بقانون فان المبادئ العامة وبخاصة المادة (200 /2) من قانون العقوبات الحالي هي التي تحكم الواقعة التي تقع.
وجريمة تبني منهج الكراهية والعنف والتكفير, لا تختلف عن غيرها من الجرائم وحسب التقسيم التقليدي للجريمة وهي الأركان العامة: المتمثلة بالركن الشرعي. وهو النص القانوني الذي يحكم الجريمة، حيث (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) والركن المادي للجريمة الذي عرفته المادة (28) من قانون العقوبات الحالي على انه (سلوك أجرامي بارتكاب فعل جرمه القانون أو الامتناع عن فعل أمر به القانون ) والسلوك الإجرامي في هذه الجريمة هو التحبيذ والترويج والتمهيد والتحريض كنهج وسلوك قولي وفعلي, ويتحقق الركن المادي بارتباط السلوك المادي للجريمة بالنتيجة الإجرامية من خلال العلاقة سببية للسلوك والنتيجة.
مع تحقق الركن المعنوي وهو القصد الجرمي الذي عرفته المادة (23) من قانون العقوبات العراقي المعدل بما يلي (القصد الجرمي هو توجيه الفاعل إرادته إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفا ً إلى نتيجة الجريمة أو أية نتيجة جرمية أخرى) وهو القصد العام للجريمة والذي يتكون من العلم وهو: تصور الشيء على نحو يطابق الواقع والإرادة الحرة المختارة التي يعرفها فقهاء القانون الجنائي كما يرى الدكتور محمود نجيب حسني في شرح قانون العقوبات / القسم الخاص/ ص604 بأنها ( نشاط نفسي يقوم لدى الجاني يتجه لتحقيق غرض عن طريق وسيلة معينة).
إن تحبيذ وترويج نهج الكراهية والعنف لتغيير الأسس القانونية والدستورية والاجتماعية وتغيير نظام الحكم وبث روح البغضاء بين أطياف وقوميات واديان الشعب العراقي هي جريمة خطيرة جدا ً تتعلق بالمحافظة على النظام الديمقراطي في العراق وعلى السلطات العراقية المتمثلة بالسلطتين التنفيذية والتشريعية القيام بتشريع يمازج بين ما تضمنته المادة 200 /2) من قانون العقوبات ونص المادة 7 من الدستور الدائم لسنة 2005.. وتشريع ذلك بقانون يتلاءم مع المرحلة الجديدة للعراق التي تمر بتحديات كبيرة تسعى لتقويض تجربته الفتية في الديمقراطية وحقوق الإنسان.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*