تاكسي الجمعة / بقلم : وليدالجنابي

شدني احد البرامج التلفزيونية على شاشة فضائية بلادي وكان بعنوان تاكسي الجمعة ..كان برنامجا لطيفا وشيقا ومنبها للساسة العراقيين ..فهو عبارة عن سيارة تكسي تحمل شعار قناة بلادي يقودها (الفنان محمد هاشم) ويتجول بين مناطق بغداد الشعبية ويلتقط ركابا شاءت الصدف ان يكونوا جلهم من الفقراء المعدمين ومن الطبقات الشعبية الكادحة التي لا خزائن لها ولا كنوز ولا مواقع تسلطية ينهبون من خلالها قوت غيرهم.. كما يفعل ساستنا الأشاوس.. بل أنهم أفراد و عوائل من هذا الشعب المظلوم عبر عقود ولا يزال.. من ساسته المتربعين على الامتيازات الوفيرة لهم والمحرمة على شعبهم المحتسب الى الله سبحانه وتعالى.. كان السائق يقطر الأسئلة على الركاب بقطارة لا تخلو من نهج وسياسة القناة كان الأرق والقلق والشرود الذهني ينتابهم .. وكان اليأس يرتسم على وجوههم الشاحبة فقرا والعفة تشع على ملامحهم التي أرهقها الزمن وأسرع في تأكلها وقنوطها من المعاناة فرغم شبابهم كأنك تحسبهم أبناء دهر ودهر… فتعابير وجوههم المتعبة تشبه حياتهم التي تتشح بالسواد الدائم والمعتق بالضيم والحرمان المزمن لهذا الشعب ..كانت أجوبة الركاب تفيض بالبساطة والعفوية من مشاعرهم وأحاسيسهم المرهفة ومعاناتهم المزمنة والعميقة التي تجثم على صدورهم كغيمة سوداء لم تقشعها بهرجة الديمقراطية الجديدة التي جاء بها المحتل وأصبح يتغنى ويتفلسف ويتمنطق بها الساسة اليوم ..هؤلاء الناس الشرفاء (ركاب التاكسي) يمتلكون الشرف والوطنية والنزاهة والعفة رغم فقرهم ..فهم أفضل بكثير من الساسة الذين يتحكمون بمقدرات العراق والواجب عليهم الدعاء المستمر الى بوش والقدر المكتوب الذي قذف بهم ليجدوا أنفسهم متربعين على عروش السلطة وامتيازاتها. ان الشعب اليوم لا يريد أن يعرف من يحكمه.. لكن المهم كيف يحكمه.. والى أي بر أمان أو هاوية يوصله….الشعب لا يريد أن يعرف كيف يموت ولكن يريد أن يعرف كيف يعيش.. لقد كانت أجوبة البسطاء ممن جمعهم تاكسي الجمعة متقاربة في معناها وأهدافها رغم اختلاف ألفاظ بعضها.. إذ نطقت ألسنتهم العفوية والبريئة.. أنهم وطنيون حقيقيون موحدون بكل مكوناتهما يتطلعون إلى المستقبل الواعد بثقة عالية وهمة جسورة.. يرفضون الطائفية بكل أنواعها فمشاعرهم الجياشة وسلوكياتهم فيما بينهم وتعايشهم الأخوي المستديم تؤكد ذلك ..ان العدالة الانتقائية التي يمارسها المسئولون…ضد مكوناتهم أصبحت اليوم عامل توحيد وتآزر بين أبناء الشعب الواحد.. رغم ارادة الساسة.. ان الطائفية السياسية وليس المذهبية تستحر بضجيج الساسة وتصريحاتهم الإعلامية وتأجيجهم للشارع ..ليغتنموا مأربهم الضيقة وهّذا يذكرني بمقولة قديمة بهذا الصدد (يئس الوالي إن أكل طيبها واطعم شعبه كراديسها).. فالعراقيون اليوم يحتاجون من ينظر اليهم بعين السائس الحكيم الذي يوقر في عزيمته خدمتهم ويؤلف قلوبهم المنكوبة والمنكسرة ..فعمق وطنيتهم تتجلى في أرواحهم التي تحترق غيرة وتتأجج حبا لوطنهم حتى اصبحوا يفهمون ما بقلوب الساسة التي لم تحجبها ظلمات سياساتهم وألاعيبهم فلم يعد الشعب مخدوعا بمغريات الساسة المتفانين على سكرة السلطة المسمومة فهم يحذرون من الاقتتال الطائفي وتسييس مطالب الجماهير الغاضبة لأجندات خارجية” وفي المقابل يجيشون الشارع ويقطرون عليه وابلا من زيت التازيم والتشنج والاحتقان الطائفي ليوصلوا رسالة الى الجماهير عامة أن من يعارضون السلطة لاحق لهم في الحياة .. للأسف البعض لم يسقط منهم الخجل ولم يتحرروا من قيود الطائفية المقيتة فيختارون اوقاتا عن قصد للحديث بتعابير طائفية صريحة ومباشرة تتسم بالعدائية والبغضاء ولا تخلو من إشارة واضحة وأحيانا مبطنة لتأجيج الشارع وزيادة احتقانه .. اليوم العراق اصبح كيانا على منحدر الهاوية تتقاذفه امواج المصالح الاقليمية والدولية وان ساسته لا يهمهم اين وصل البلد بل اصبحت السياسة لديهم مصالح استثمارية ضيقة وامتيازات طائفية لا تعدو ركوب الطائفة لتحقيق المصالح الذاتية ومن ثم الاستعلاء على ابناء طائفته فبسبب السياسات الانانية الضيقة توسعت الطائفية وأصبحت هوية بديلة تلغي و تطمس الهوية الوطنية في العراق.. اليوم الكل يتحدث عن الهوية الوطنية تمويهاً لسيطرته بقوة الطائفة لإخفاء طائفيته التي قد تعترض وصوله إلى السلطة. اليوم نعيش ازمة سياسية بعنوانها و طائفية بمضمونها ..اعتقالات عشوائية او على مزاج ومصالح المخبر السري ومحاكمات ومطاردات لمن يخالف نهج الحكومة ؟ وتكميم الافواه وتضييق الخناق على المتظاهرين المطالبين بحق المواطنة.. والغاء القوانين التي تعبر بوضوح عن استهدافهم واسكات الصوت المعارض. وبنى تحتية محطمة وان تمت جزئيا فيشوبها الفساد بكل اشكاله ..وشعب جله جائع ومشرد.. السؤال المطروح هل أفلس الساسة العراقيون في بناء دولة مدنية متحضرة لشعبهم ؟ لماذا هذا الانزلاق في وحل الطائفية ؟الم يفهموا انهم انحدروا بالعراق الى الصراع المذهبي بعدان تخطوا مرحلة الطائفية بامتياز إلى القدر الاسوأ؟ إنهم وبحق سيسقطون ملامح الدولة الهشة ككيان سياسي موحد عبر التاريخ عن الوطن الواحد الموحد(العراق).

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*