بين الصوفية والليبرالية / بقلم : حسن الكعبي

تنطلق اغلب النقودات الموجهة لادونيس من استنادها على ( بيان الحداثة ) ، الذي اصدره ادونيس عام 1969في مجلة مواقف وضمه بعد ذلك في كتابه ( زمن الشعر ) والنقودات الموجهة لادونيس رصدت ملامح الرجعية  كانساق متحكمة في طروحاته واسلامنية غنوصية،  الاولى في توصيفات الغذامي الذي رصد نموذجا فحوليا عند ادونيس والثانية في توصيفات صادق جلال العظم ، وان كان صادق العظم سباقا في الكشف عن الانساق الغنوصية في مشروع ادونيس تأسيسا على بيان الحداثة وما وصفه بالخطابات الاسلامانية في مشروع ادونيس ، والاسلامانية شأنها شأن وصف احدهم بالعلمانوي  وهي اشارة الى الذيليلة في الانتماء ، وذلك ما يؤكده محمد اركون من خلال تفريقه بين الاسلامي والاسلامانوي او الاسلاموي ، وصادق جلال العظم كان يدرك هذا التفريق بدلالة انه وصف ادونيس بالماركسي السابق والقومي والناصري السابق بمعنى انه يشير بوضوح الى هذا التذبذب والذيلية ، وهذه المقولات وضعها العظم بقصدية في هامش مقالته الاستشراق والاستشراق معكوسا الذي استثار ادونيس ودفعه للرد على العظم في مقالين هما (النقد المنفلت من عقاله) و(العقل المعتقل) وهاتان المقالتان ضمهما العظم في كتابه ( ذهنية التحريم.. سلمان رشدي وحقيقة الادب).
ان توصلات العظم تتفق في الجوهر مع مشروع الغذامي في النقد الثقافي الذي كشف فيه عن (رجعية ثاوية في طروحات ادونيس)  ، لذلك فاننا سنضع ادونيس بين مقوسي العظم والغذامي بالاضافة الى آراء نقاد آخرين لمشروع ادونيس لاستخلاص نتيجة حول ما اذا كان ادونيس يحمل فكرا ليبراليا عبر عنه بلغة تصوفية وذلك ما سنقف عليه بعد قراءة مشروعه في ظل الفحوصات النقدية ، رغم انه لم ترد اية اشارة سواء عند العظم او الغذامي حول صوفية ادونيس على المستوى اللغوي او ليبراليته على المستوى الفكري على اعتبار ان الغذامي جرد ادونيس من حداثويته ووضعه في خانه الرجعيين بين اسلافه من الشعراء الفحوليين ولذلك لم تعد ثمة حاجة لان يناقش فكرا ليبراليا داخل مشروع ادونيس كما انه لم يشر الى منزع تصوفي عند ادونيس رغم انه رصد في بيان الحداثة وفي مقولات ادونيس الاخرى ان الابداع العربي لا يتضمن( سوى الشعر والتصوف) والغذامي اوقف بحثه على شعر ادونيس وما ينتج من انساق فحولية او تفحيلية على حد تعبيره ، والعظم كذلك لم يتطرق الى صوفية ادونيس لا على مستوى اللغة او التفكير ،ولكن ربما ان ما قصده العظم باسلامانية ادونيس تضمن الاشارة الى هذا النوع من التصوف اللغوي و ذلك احتمال مستبعد لان صادق العظم على اطلاع في مجال التصوف وذلك ماطرحه في كتابه عن ( الحب العذري )، الا ان عبد القادر الجنابي ناقش ادونيس في كراس صدر عن دار الجمل حمل عنوانا هجوميا هو ( السوقية والسوريالية ) الذي جاء ردا على كتاب( الصوفية والسوريالية ) الذي اصدره ادونيس ، وجدل الجنابي قائم على تقويض اطروحات ادونيس واثبات عدم معرفته بالصوفية وبالسوريالية ايضا وهذا النفي له دلالاته في التطابق مع ما توصل اليه العظم والغذامي في سكوتهما عن مناقشة مسألة التصوف عند ادونيس .
في معرض رده على (ادونيس) الذي حاول في كتابه ( الصوفية والسوريالية )المماهاة بين السوريالية والصوفية وايجاد نسبة بينهما، انكر الجنابي ذلك ، مؤكدا  أن السوريالية لا تمتّ بصلة إلى الصوفية، ( فهذه الأخيرة تستعير المواد الدينية لتجعل منها أساساً لافتراضاتها، بينما السوريالية ترى في هذه المواد الدينية عين الحاجز الذي يجب تحطيمه فالسوريالية نزعة الحادية وبالضد من كل اليقينيات بينما الصوفية نزعة ايمانية مطمئنة الى يقنياتها ) ويشارك الجنابي في هذا الرأي الكاتب الجزائري سفيان زدادقة الذي يؤكّد ( أنّ أدونيس أخذ من الصوفية قشورها، ومظاهرها وكلماتها، ووظف بعض شخصياتها، واقتبسَ بعض شطحاتها، واستعارَ معجمها وإيقاع لغتها، لكنّه أبداً لم يصل إلى جوهرها الذي قامت وتقوم عليه، هذا الجوهر الذي لا يمكن إلا أن يكون دينياً، بكلّ محمول هذا المصطلح الجامع لمعاني الخضوع والإسلام والقبول والإيمان.. وهي المصطلحاتُ/ المفاهيمُ/ المعالمُ/ التي لا يمكن لأدونيس أن يعجبَ بها أو أن يدعو إليها..) كما يلاحظ ان (هناك إصرار واضح عند أدونيس على الربط التاريخي بين نشأة التصوف وظاهرة التشيع، دون أن يكلّف نفسه عناء إثبات هذه الصلة..).
ان هذه الملاحظة التي يوردها الكاتب جديرة بالاهتمام لانها تثبت قشرية ادونيس في التعاطي مع الصوفية ، ذلك ان ربط الصوفية بالتشيع هو ربط تعسفي ، فالتشيع بالاساس لاينتصر الى الصوفية وانما الى العرفان الذي يعتمد الكشف والبرهان العقلي في اثبات الاصل العقائدي لمفهوم التوحيد والذي تمثله الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي الذي جمع بين الفلسفة المشائية الرواقية وبين اشراقيات السهروردي لكي يجد مجالا للتوازن بين البرهان العقلي المنطقي والبرهان المعنوي الروحاني وقد نقل العرفان الى مجال علم الكلام بما وفره من فلسفة جدلية عقلانية تعتمد الاستقراء والاستبطان في اثبات اصل العقيدة التوحيدية ، بينما الصوفية لا تنهض على فلسفة عقلانية وانما هي غنوصية انكفائية نخبوية تعتمد الشطح الى حد الحلولية ، والحلولية كمذهب تصوفي يعارض مذهب التشيع الذي يرى في الحلولية الحادا صريحا .
يورد سفيان زدادقة ملاحظة اخرى مهمة  من خلال اشارته الى (أنّ أدونيس يكاد يستند كلّيا على ابن عربي في عرضه لمفهوم الصورة عند الصوفية، كما استند إليه كلّيا في عرضه للحبّ الصوفي، لكن المشكلة أنه لا يحدّد بدقّة أفكار ابن عربي وأفكاره هو الخاصة، فيحدث الالتباس في القراءة فيما يخص التمييز بين أفكار الرجلين، وهذا التماهي مع الأعلام -شرقيين وغربيين- من خصائص أدونيس غير الأكاديمية ) ، وهي ملاحظة رغم ان الكاتب لم يتوسع بها الا انها اشارة تؤكد انتحالات ادونيس الفكرية كما ذهب الى ذلك – كاظم جهاد – في كتابه ( ادونيس منتحلا) حيث اورد شواهد عديدة تؤكد انتحالات ادونيس من المتصوفة ومن الشعراء الفرنسيين وخصوصا سان جون بيرس.
وذلك ما يذهب اليه صادق جلال العظم الذي اكد ان ادونيس انتحل فكر المستشرقين وقلب خصائص مرتكزاتهم التي تعمل ضد الشرق من اجل المصالح الغربية ، بالعمل ضد الغرب لصالح الشرق ، فكما ان فكر الاستشراق كان اقصائيا تجاه الشرق فان فكر ادونيس كان اقصائيا تجاه الغرب ، وفعل الاقصاء يفرغ الليبرالية من مضمونها الذي يشير الى التعددية ولربما ان العظم بسبب ذلك لم يشر الى ليبرالية ادونيس او لربما هو نتاج تشكيك العظم في انتماء ادونيس الى اية ايديولوجيا او منظومة يمكن من خلالها تحديد وجهة ادونيس في الانتماء كاشاراته الى تحولات ادونيس وعدم استقراره على ايديولوجيا بعينها وهو ما اطلقنا عليه(  قلق الانتماء عند ادونيس ) والذي  نرجحه في عدم اشارة العظم الى انتماء ليبرالي باعتبار ان النظم والايديولوجيات التي اشار اليها هي نظم تنطلق من آفاق ليبرالية  والتحول عند ادونيس واختبار التصوف لم يسفر عن  نمو في تجربة التحول هذه بل بقي في حدود التخبط وعدم الاستقرار وقلق الانتماء الذي رصده صادق جلال العظم.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*