بناء العراق.. بالتعليم العالي / بقلم : سالم مشكور

عندما خرجت اليابان من الحرب بدمار كبير على كل الاصعدة جمع إمبراطورها أهل الرأي وسألهم: من أين نبدأ عملية إعادة البناء : الجواب الذي قدموه له كان: بناء الكوادرالعلمية من خلال الشهادات العليا في الغرب لكن الامر يحتاج الى المال والخزينة لا تلبي. أجابهم: نجوع لكي نرسل أبناءنا لنيل الشهادات العليا . بعدها بدأت عملية واسعة لإيفاد الطلبة الى بلدان أوروبية ليعودوا بشهادات عليا وليبنوا اليابان التي نراها اليوم.

حجز الفنادق

ما حدث في العراق من تدمير متواصل خلال عقود من الحروب والسياسات الحمقاء يحتاج الى عملية كبيرة لاعادة البناء تشكل الكوادر العلمية والاكاديمية ركنا أساسيا فيها، فقد تراجع التعليم العالي في العراق منذ بدء الحرب العراقية الايرانية العام 1980 وإزداد تدهورا بعد حماقة دخول الكويت وما تبع ذلك من حصار دولي شامل كان العالم حينها يتطور بشكل متسارع فيما كان العراق يتراجع بوتيرة أسرع. والدراسات العليا طالها التدهور والتراجع كما باقي المجالات. القوانين المعمول بها في الدراسات والبعثات باتت قديمة، وبات من الضروري اعادة النظر بها بما ومواءمتها مع التطور الذي شهدته نظيرتها في الدول الاخرى. خذوا مثلا: قوانينا القديمة لا تعترف بالدراسة الانتسابية بما في ذلك الفروع الانسانية التي لا تحتاج الى مختبرات وتطبيق عملي، بينما كبرى الجامعات الاوروبية والاميركية تعتمد الدراسة عبر الانترنت ( عن بعد) في كثير من المواد، فيما يلتقي الطالب باستاذه باوقات معينة للمتابعة فقط. هناك جامعات تدرّس عن بعد تعترف بشهادتها دول أوروبية بينما لا تعترف بنظيرات لها تعتمد نظام الدوام والحضور.

بعد تغير النظام السياسي في العراق العام 2003 كان يفترض ان تتم عملية البناء بدءاً من الجامعات والدراسات العليا لكن ما تم لا يشكل الا جزءاً يسيرا لما هو مطلوب. قوانينا القديمة المكبّلة ما زالت معيارا في العمل وجامعاتنا في غالبيتها لا تختلف عن المرحلة الثانوية. مجموعة مَلازم أو كتب قديمة التاليف يقرأها الطالب ويمتحن بها فيما البحوث غائبة تقريبا. دراساتنا العليا ليست أحسن حالا، وبعثات الطلاب الى الخارج تنتابها أكثر من شائبة او مشكلة تغيّر من هدف إرسال البعثات الطلابية. يكفي أن نستمع الى أبنائنا الدارسين في الخارج على نفقة الوزارة لنرى حجم معاناتهم من تعامل الوزارة معهم وبينها حرمانهم من تذاكر لزيارة سنوية اجبارية للبلاد لتستمر علاقتهم ببلدهم بما يشكل دافعا لعودتهم بعد نيل الشهادات. النتيجة بكل بساطة هي إنقطاعهم عن البلاد سنوات كفيلة بضعف إرتباطهم بالوطن مقابل مغريات يحصلون عليها للبقاء والعمل في تلك البلدان، وبالتالي حرمان البلاد منهم. عدد كبير من الطلاب لا يحصل على فرصة الدراسة العليا في الداخل او من خلال برنامج البعثات بسبب شروط العمر التي لم تعد معترفا بها حتى في أكثر الدول تخلفا، فيذهبون للدراسة على نفقتهم في الخارج لكنهم يصطدمون بعد العودة بعدم الاعتراف بشهاداتهم لان دراستهم لم تستوف شروطا قديمة تعتمدها وزارة التعليم العالي. الوزير الجديد يهمل همّ التعليم العالي وتطويره، وعمل منذ زوال النظام السابق على هذا الملف. الامل ان يحوّل هذا الهمّ الى خطوات تحديث للتعليمات ورفع للعقبات بما يسهّل نيل أكبر عدد ممكن لشهادات عليا بشروط ومواصفات علمية حديثة ليساهموا في إعادة بناء البلاد.

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*