بغداد و واشنطن.. دبلوماسية الطائرات ( صادق كاظم

عندما ذهب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى واشنطن مؤخرا  في الزيارة الرسمية التي قام بها كان ملف الطائرات اهم ما كان موجودا في حقيبته ،حيث تشعر الحكومة العراقية بأن عدم امتلاكها لطائرات حربية مقاتلة يحرجها كثيرا في مواجهة المجموعات الارهابية المسلحة والتي لم يعد تكتيك الهجمات والحملات الامنية المتباعدة مجديا معها مع قدرتها على الهروب والاختباء وتجنب الاشتباك مع قوات الجيش العراقي بشكل مباشر وتفضيلها لاسلوب الهجمات المفاجئة وزرع العبوات الناسفة في طريقها .
يشعر القادة العراقيون بأن تأخر امتلاكهم لسلاح جوي مقاتل لا يخدمهم كثيرا في شن حرب وقائية ناجحة ضد الارهابيين واضعاف القدرات اللوجيستية التي يمتلوكنها في العديد من المناطق الساخنة ،اضافة الى ان أية هجمات جوية قد تشن على هذه المجاميع واوكارها توفر كثيرا من التضحيات والخسائر التي تلحق بالقوات الامنية المهاجمة والكمائن التي تتعرض لها خلال قيامها بعمليات ارضية ضد هذه المجاميع .
العراق الذي كان يعد اول دولة في المنطقة في امتلاكه لسلاح جوي يفتقر اليوم لأية طائرات حربية متطورة ،حيث تسبب النظام الدكتاتوري السابق في تفكيك ما تبقى من طائرات السلاح الجوي العراقي ودفنها بالرمال بهدف حمايتها من اية هجمات جوية اميركية ،حيث فقدت تلك الطائرات الى الابد ،فضلا عن ان ما تم العثور عليه منها جرى تفكيكه وبيعه كقطع خردة في اسواق الدول المجاورة .
طرح السيد المالكي لموضوع الطائرات الحربية واستعجاله للادارة الاميركية بضرورة الاسراع بتسليمها الى  العراق  انما يؤكد في الواقع هاجسا عراقيا آخذا بالتصاعد والشعور بالترقب والحذر نتيجة لتصاعد اعمال العنف التي تشهدها البلاد ،اضافة الى تداعيات الحدث السوري ودخول تنظيم القاعدة المتطرف كطرف بارز وخطير في الازمة ونشاطاته المثيرة للقلق والتي يقوم بها على جانبي الحدود العراقية السورية .هناك انتقادات واضحة للحكومة بشان التقصير الواضح في الملف الامني وما يحدث يوميا من عمليات ارهابية تستهدف المواطنين الابرياء والتي تأخذ ارقاما ومعدلات كبيرة وتؤكد وجود ثغرات خطيرة في الملف الامني يتطلب الامر معالجتها باسرع وقت .استخدام سلاحي الجو والطائرات المسيرة من دون طيار تعد واحدة من التكتيكات التي بدأ القادة العراقيون يلجأون اليها من اجل مواجهة الارهاب واضعافه ،خصوصا وان واشنطن تتبع هذا الاسلوب الحربي الناجح في ملاحقة كبار زعماء القاعدة ومطاردتهم وقتلهم وفي عدة اماكن من العالم ،اضافة الى ان هناك اتفاقا للتعاون الستراتيجي بين البلدين يلزم واشنطن بتقديم الدعم والاسناد الحربي للعراق عند تعرض امنه الوطني الى تهديدات ومخاطر كبيرة .
الاهتمام الاميركي بالعراق يعود الى بداية خمسينيات القرن الماضي ،حين بدأ الزعيم السياسي المخضرم نوري السعيد يشعر بأهمية واشنطن ودورها المقبل في المنطقة كقوة عظمى تحل محل لندن التي بدأت امبراطوريتها بالافول والتراجع ،حيث اخذ نوري السعيد باقناع الملك فيصل الثاني والوصي عبد الاله بزيارة واشنطن وتأسيس علاقة معها وهو ما حصل فعلا ،بل اسهم تشكيل حلف بغداد والذي وضع نوري السعيد اسسه كنوع من الاحتواء الذكي لجيران العراق الاقوياء (الايرانيين والاتراك )وخطوة ذكية لمنح العراق دورا محوريا مهما في منطقة الشرق الاوسط،  اقول اسهم ذلك في نشوء تقارب كبير بين بغداد وواشنطن رافقه تدفق مساعدات عسكرية سخية قدمتها واشنطن للجيش العراقي،بل ان مفاعلا نوويا اميركيا صغيرا ومتطورا كان في طريقه الى العراق عام 1958 لولا حدوث ثورة 14 تموز وعدول واشنطن عن ذلك ومنحه لاحقا لشاه ايران المخلوع .
الاهتمام الاميركي تضاعف لاحقا اثناء حكم الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم ولكن بشكل مغاير ،حين اشتكت واشنطن من تصاعد نفوذ اليسار العراقي وتحالف قاسم مع الكرملين وهوما اغضب وزير الخارجية الاميركي وقتها جون فوستر دالاس الذي هدد بتحطيم رأس الجنرال عبد الكريم قاسم وهو ما حصل فعلا بعد عامين،حين دعمت الاستخبارات الاميركية وبتنسيق مع المصريين الراغبين بسقوط حكم قاسم واعادت العراق الى الحضيرة المصرية بزعامة عبد الناصر ،حين ساندت واشنطن الانقلابيين البعثيين وامدتهم بمعلومات استخبارية ثمينة وقوائم باسماء الزعماء السياسيين والعسكريين واشرفت على تدريب فرق اغتيال نزلت صبيحة يوم الانقلاب الاسود لتنفذ جرائمها باغتيال المقربين من قاسم وعزله في مقره في وزارة الدفاع ومن ثم تصفيته وقتله بوحشية .اسهم دعم واشنطن السيء لرجالات انقلاب شباط الاسود في قبض الثمن غاليا ،حين حصلت وبالمجان على نماذج من اسلحة روسية متطورة كان من  بينها دبابة متطورة وقاعدة صواريخ مضادة للجو جرى شحنها في مطار الحبانية وبحضور الملحق العسكري الاميركي في بغداد ،لكن واشنطن تخلت لاحقا عن العراق للمصريين بعد وصول عارف الى الحكم اواخر العام 1963 ،لكنها نجحت في زرع القصر الجمهوري ببغداد برجال عملوا على خدمتها وكانوا تحت امرتها في اية لحظة والتي جاءت بعد خمسة اعوام ،حين رعت واشنطن وسرا تحالفا جمع البعثيين بزعامة الرئيس الراحل احمد حسن البكر ومسؤولين كبار عن امن نظام عارف والقصر الجمهوري امثال المرحوم عبد الرزاق النايف معاون مدير المخابرات الحربية وعبد الرحمن الداوود قائد الحرس الجمهوري والراحل سعدون غيدان حارس القصر وحامل مفاتيح الابواب في جيبه قبل ان ينتهي هذا التحالف بهزيمة النايف ورجاله وهيمنة البكر على السلطة والحكم والتي شهدت عودة النفوذ البريطاني الى العراق مجددا ،لكن الانقلاب الداخلي الذي قاده  الطاغية صدام حسين بعد 11 عاما اعاد العراق الى دائرة النفوذ الاميركي الذي بلغ ذروته مع القرار الذي اتخذه النظام الدكتاتوري السابق بالدخول في حرب مع الجارة ايران عام 1980ضمن مخطط سري كان يهدف الى اسقاط نظام الحكم الجديد في ايران واعادة الشاه الى السلطة بالتنسيق مع مجموعات سياسية معارضة هناك وهو مالم ينجح لتستمر الحرب بعد ذلك ثمانية اعوام انتهت من دون تحقيق اية اهداف اومكاسب سياسية للعراق ،لكن الدعم الاستخباري الاميركي كان من المستوى الستراتيجي المرتفع الذي مكن النظام الدكتاتوري السابق من الصمود وتجنبه للهزيمة  .الغزو الاميركي المباشر للعراق في اذار من العام 2003 انهى اكثر من 13 عاما من التصاعد والشد والجذب في العلاقة بين النظام الدكتاتوري السابق وواشنطن بعد نهاية شهر العسل الاميركي البعثي عقب غزو الكويت وتفريط النظام بتحالف وغطاء دولي كان يحميه ويسمح له بارتكاب المجازر ضد العراقيين ،فضلا عن ضوء اخضر جعله يمتلك اسلحة دمار شامل وبرنامجا نوويا في طور التطوير والتصاعد .
لم تنجح واشنطن في العراق كما نجحت من قبل مع اليابانيين والكوريين والالمان لاسباب عديدة وكثيرة ترتبط بتعقيدات الوضع العراقي وتأثيرات محيطه الاقليمي ووجود الارهاب كورقة تدميرية ومعطلة ،بل ومهددة للامن والاستقرار السياسي في العراق ،اضافة الى ارتباك الستراتيجية الاميركية في العراق وتصرف الاميركان كقوة احتلال مسيطرة على العراق وليس كطرف صديق يساعد العراقيين في اجتياز الظرف المعقد والصعب الذي وجدوا انفسهم فيه بعد عام 2003 .بقاء الارهاب كاحد مخلفات الاحتلال الاميركي وكعامل تهديد للعراق على المستوى الستراتيجي يلزم واشنطن برفع مستوى المساعدة الممنوحة للعراق في هذا المجال من تقديم اسلحة واجهزة متطورة تمكن القوات العراقية من ملاحقة الارهابيين وتحطيم قدراتهم واضعافها والتي منها الحصول على طائرات مقاتلة وطائرات من دون طيار وبموجب عقود ابرمت مع الجانب الاميركي  ،لكن الجانب الاميركي لايزال يرفض تقديم الدعم الاستخباري لدواع تعتبرها واشنطن تتعلق بالامن القومي الاميركي بعكس ما كان يقوم به خلال سنوات الاحتلال وهوموقف يؤخذ على الجانب الاميركي ويؤكد ازدواجية الموقف الاميركي من العراق .عدم نجاح الساسة العراقيين في تحقيق الاستقرار السياسي الذي يجعل من العراق دولة محورية بارزة لم يقنع الاميركان بالقيام بمزيد من الاهتمام والدعم للعراق ،بل ان واشنطن وبالرغم من امتلاكها لاضخم سفارة في العالم في بغداد بالذات الا ان مستوى دعمها للعراق في مجال مكافحة الارهاب لا يزال محدودا ويرتبط بمصالح الامن القومي الاميركي وهو ما جعل المالكي يؤكد على مطلبي الطائرات والطائرات المسيرة كنوع من الاختبار للنوايا الاميركية في العراق ولاقناع ادارة اوباما بان العراق يخوض حربا شرسة ضد الارهاب وهو بحاجة الى دعم كل الاصدقاء والحلفاء للتصدي لهذا التحدي الخطير.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*