انعطافة تاريخية / بقلم : محمد صادق جراد

عكست ثورة 14 تموز رغبة العراقيين والقوى الوطنية بالتحرر من الهيمنة الأجنبية وتثبيت الاستقلال السياسي والاقتصادي والسعي لبناء دولة ذات سيادة كاملة تكون فيها مساحة واسعة لحرية الرأي وحرية العمل الحزبي, فضلا عن حرية الصحافة وممارسات أخرى كانت غائبة عن المشهد السياسي العراقي قبل الثورة.
ويمكن القول بأن هذه الثورة هي انعطافة مهمة في تاريخ العراق، فقد شكلت مرحلة جديدة من مراحل نضال الشعب العراقي. وعلى الرغم من الفترة الزمنية الطويلة التي تفصلنا عن تاريخ انطلاق الثورة إلا إننا نشعر بأنها لا تزال حية لأنها بشكل او بآخر تعبر عن رغبة الشعب العراقي في تحقيق العدل الاجتماعي ورفضه لكل أشكال الركون والخضوع الى الأجنبي.
ولا بد من الإشارة هنا الى ان نجاح الثورة جاء بسبب إصدار القوانين المهمة والمتعلقة بنجاح البناء المؤسساتي للدولة العراقية والتخلص من كل أشكال الهيمنة التي قد يتعرض لها هذا البناء ومن هذه القوانين قانون رقم 80 لسنة 1961 الذي يحدد العراق من خلاله مناطق الاستثمار للشركات الاحتكارية التي كانت تعمل في القطاع النفطي وكذلك قانون الإصلاح الزراعي والذي جرى من خلاله تحرير الفلاحين الذين يشكلون حوالي 70بالمئة من نفوس العراق آنذاك وإنقاذهم من طغيان الإقطاع وكان هذا القانون يمثل بحق ثورة اجتماعية كبرى. ومن الانجازات الأخرى للثورة في مجال تجسيد المفاهيم الديمقراطية تم إعطاء الإعلام مساحة واسعة من الحرية، والسماح بتشكيل المنظمات والنقابات المدنية وممارسة النشاط العلني لنقابات لها دور في تكريس العمل الديمقراطي وبناء المجتمع المدني وهي نقابات العمال والجمعيات الفلاّحية ورابطة المرأة العراقية واتحاد الطلبة العام واتحاد الشبيبة الديمقراطي ونقابات المعلمين والمهندسين والحقوقيين والأطباء وغيرها والسماح للأحزاب السياسية بممارسة جميع نشاطاتها بكل حرية على الرغم من عدم وجود قانون ينظم مسألة تشكيل هذه الأحزاب السياسية وينظم عملها .
ومن الانجازات المهمة التي حققتها ثورة تموز وزعيمها عبد الكريم قاسم والتي بقيت عالقة في ذاكرة المواطن العراقي هو تشييد مدينة الثورة ومدينة الشعلة وذلك لإسكان آلاف العائلات الفقيرة من الفلاحين الهاربين من ظلم الإقطاع المتسلط ولقد عبرت هذه الخطوة عن اهتمام الزعيم بالفقراء والنظر إلى حالتهم وإيجاد الحلول لمشاكلهم، الأمر الذي جعله محبوبا من قبل الشعب، فضلا عن انه عرف بالزهد والنزاهة وعدم الاستفادة من المال العام فهو لم يبن القصور الرئاسية ولم تكن لديه أفواج حماية تسهر على أمنه حيث عاش كما يعرف الجميع حياة عادية بعيدا عن ترف الزعماء والرؤساء والملوك .
ولابد من الإشارة هنا إلى ان الثورة قد تلقت الدعم من الأحزاب العراقية الوطنية التي ساهمت في نجاحها. وبسبب ما حققته الثورة وقائدها من نجاحات في زمن قصير من تاريخها أصبحت مصدر قلق لبعض القوى الظلامية المعادية لها والمدعومة من قبل جهات خارجية لا تريد استمرار الثورة حيث استغلت هذه القوى الخلافات التي حدثت بين القوى الوطنية حينها لتقوم بانقلاب 8 شباط 1963 والذي بدأ بتصفية عبد الكريم قاسم وقادة الثورة وانتهى بتصفية جميع الأحزاب الوطنية الأخرى في العراق ومطاردتها من قبل السلطة الانقلابية الفاشية.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*