الوظيفة السياسية والأداء السياسي / بقلم : علي حسن الفواز

كيف ينظر البعض لتوصيف الاداء السياسي؟ وكيف يكون هذا الاداء مهنيا ووظيفيا وقابلا للاستعمال؟ وهل سيضع السياسيون استحقاقات هذا الاداء بوصفها شروطا اساسية لانضاج فعاليات العمل السياسي وبناء مؤسساته والتعاطي مع ضروراته واسئلته؟.  احسب ان مثل هذه الاسئلة الجوهرية، ستكون هي المجسات التي يمكن من خلالها معرفة الكثير من مشكلات السياسة وعقدها وسرائرها، مثلما ستكون الدافع على استكناه ما يمكن ان تحمله من بواعث باتجاه اعادة توصيف الظواهر والاجراءات، وبالشكل الادائي الذي ينقلها من متاهة النوايا الى سياق الوظيفة، اذ ان  النوايا في السياسة غير صالحة تماما في تنفيذ أية ممارسة وظيفية في  السياسة البرغماتية، وفي طبيعة ماتتطلبه من حسابات وخرائط عمل، واستقراءات لما هو عميق، وكذلك لمعرفة القوى التي تؤدي فعالياتها في السر والعلن، فضلا عن ان السياسي في هذا الزمن العولمي قد اصطنع لنفسها خنادق وعلائق ومصالح عابرة للمكان المحلي والقوى المحلية، خاصة اذا ادركنا ان فعاليات اداء هذه السياسة من قبل هذا السياسي، باتت تحتاج توصيفات مفارقة لمفهوم العدو والصديق، ولطبيعة دور المؤسسة والخطاب والمال السياسي والسلطة والجماعة، وبما يتجاوز كل تاريخ المعرفة التقليدية التي ألفناها في التعاطي مع المصطلحات والصراعات السياسية ذات المرجعيات الانقلابية والنزعات الدوغمائية التي جعلت من السياسي العراقي في زمن الجمهوريات كائنا مضخما ومفخما، ومهووسا بالسلطة والثروة والقوة، مقابل الشك الافتراضي بالاخر الذي كثيرا ما أخضعه هذا السياسي لتوصيفات الخائن والعميل والشعوبي والكافر وليس الشريك الذي ينبغي ان يحمل الكثير من المواصفات المغايرة، والحساسيات والمصالح والحسابات التي لاتتفق مثل الظل والاصل!! وربما يكون مختلفا ايضا في السياق والوظيفة.
اذ هو الخصم الضروري لاكتمال المشهد الذي نحتاجه لتعزيز فهمنا الحقيقي والاجرائي للتعددية وللديمقراطية،وبما ينقذنا من التاريخ الهلامي للديمقراطيات الرخوة التي صنع نماذجها المضللة والقاسية احيانا العسكر والانقلابيون والعقائديون الدوغمائيون..
عقدة الاداء السياسي العراقي باتت توصيفا خلافيا، ومثارا ادائيا واخلاقيا في التعاطي مع ازمات وسرديات واوهام،  اذ كثيرا مابات السياسي العراقي الجديد ضحيتها، خاصة ان ظروف صناعة وظيفة هذا السياسي ومسؤولياته تشكلت في ظل واقع مأزوم، وفي ظل صراعات دامية، وتفجرات عميقة مست لاول مرة الهويات الوطنية، واثارت نوازع(المسكوت عنه)فيها، لذا اقترنت وظيفة هذا السياسي بالكثير من النعوت والتهم،  فالبعض اتهمه باللامهني، واعلاملوجيا (الدولة القديمة) اتهمته بالخطيئة والخيانة، مثلما وجد البعض في دوره المعقد تعبيرا عن وعي صعب لمشكلات التحول السياسي من المركزيات القهرية الى التعددية المثيرة للجدل، خاصة اذا ادركنا ان الكثير من الأزمات الداخلية لها مورثات قديمة جاءت مع اصل الدولة الشمولية التي خضع العراقيون لسلطتها القهرية منذ اكثر من خمسين عاما، فضلا عن بروز ظاهرة الاصولية السياسية والاعلامية والطائفية لدول الطوق السياسي، التي كرست خطيئة هذا السياسي، وخطيئة مشروعه في التغيير وفي بناء الدولة الجديدة،اذ عملت على اعادة انتاج لعبة النوايا، تلك النوايا المسكونة بعصاب الامة الخالدة والفرقة الناجية، التي اخضعت خطابها لتوصيف رهابي لمراثي فقه المروق عن الملة،  واخراج الظاهرة العراقية من أي سياق وطني او اخلاقي، رغم ان الكثير من (الهؤلاء)من الحكام والرؤساء خاضعون الى سلطة الاخر الاستعماري من الرأس حتى القدم، وان ماحدث في العراق كان جزءا من لعبة النوايا التي خرجت عن مقاديرها الى مقادير اخرى لم تكن بالحسبان، التي تفجرت تحت ايقاعها كل عقد التاريخ واوهامه الكبرى.
النوايا والاشهار السياسي
تفكك البنية المركزية للدولة القديمة، وغياب نمطها السياسي الخاضع والتابع، افقد لعبة التبادل السياسي التعويضي ايقاعها وتبادل مواقعها، أي ان السياسي الجديد وجد نفسه امام فراغ معتم، وامام خزينة خاوية، وامام خراب سياسي مؤسساتي واخلاقي ومهني، مقابل ماوجد نفسه فيه امام قوة  احتلالية كبرى، وعسكرتاريا مرعبة، حطمت النظام التحتي للدولة، واجهضت بنيتها الاقتصادية والتجارية والعسكرية، وبالتالي فان هذا المعطى افقد أية سلطة اعتبارية للنوايا ولاحلام القوى الجديدة في ان تؤسس مشروع دولتها بسهولة وببساطة، والذي بدا وكأنه خاضع لتوصيف فقدان القدرة على  الاشهار  لزواج لاشرعي بين هذا السياسي والدولة، لان هذه العلاقة  ستظل محكومة بما يشبه الزواج من قاصرة، والمحكوم عليه بالانفعالات دائما..
وازاء هذه الوقائع المثيرة تبدى الوعي ازاءها وكأنه وعي عاجز، او وعي  يبحث عن مقدمات فاعلة لاثارة اسئلته، تلك التي تبحث عن مبررات او سياقات تتجاوز في ظل سلطتها المفترضة عقدة الاشهار القاصر، وما يمكن ان ينتج عنه من  رؤية قاصرة، وان أي سوء فعل سيكون سببا لملاحقة هذا السياسي واتهامه بشتى التهم، مثلما سيكون جزءا من الموقف التعجيزي الذي سيجد نفسه فيه ازاء بيان دوره الفاعل في مواجهة تحديات الدولة واستحقاقاتها، وتجاوز عقدة(الاحتلال) وتداعياته وطبيعة الاشتراطات القانونية الدولية التي خضع لها العراق بموجب البند السابع في ضوء قرارات الامم المتحدة، وفي ضوء القوانين غير المدونة التي ارتبطت بوقائع الاحتلال على الارض،  مثلما هو تجاوز عقدة النظر الى ما حوله، والذي كان باعثا على النفخ بالاوهام وبما يضلل بين يديه أي الطريق الى الاخرين. فضلا عن ان طبيعة التعقيدات السياسية وتجاذباتها في الواقع العراقي اوهمت الكثيرين من قصيري النظر بان الدنيا القديمة ظلت قديمة، وان الارض مازالت تدور تحت سطوة الثور المثيولوجي الذي تحدثت عنه جداتنا كثيرا.
قصور وظيفة الكشف والمواجهة، اقترن بسوء النية ازاء القوى الجديدة التي ظلت تمثل العدو والخائن لقوى ماقبل الدولة، والقوى الظلامية والاصولية، مثلما ما هو عالق بطبيعة البعض من اصحاب الانويات المريضة من السياسيين، التي دفع قصورها ايضا للاسهام في الابانة عن السلوك الفاضح لصناعة الجماعة السياسية وليس الاثنية او الطائفية او الحزبية، التي يمكنها التعاطي بوعي مع سيرورة فكرة الدولة ومشروعها المدني، اذ ان سوء الاداء السياسي لهذا البعض وعصابيته احيانا، اسهم في تكريس ضعف الاداء والمسؤولية  والتفاعل مع استحقاقات المرحلة الجديدة، وفضلا عن هشاشة دوره في الكشف عن غلواء ما يضمره من مرائر اقل ما يقال فيها انها خالية من رائحة المسؤولية الثقافية التي تحافظ على اللياقة مع
الاخرين.
سايكوباثيا السياسي
الحديث عن ازمة الاداء السياسي لاتعني بالضرورة الحديث عن المعوقات التي تضعها القوى المعادية، بل تتجاوز ذلك الى الحديث عن العديد من قوى(الاسلحة الصديقة) التي كثيرا ماتكون عوامل خرق داخلية وسرية  للبنية السياسية، وعوامل احباط، وربما عوامل تعصيب السياسي ازاء غيره من الشركاء، أي اعادة انتاج ظواهر العصبة الاثنية و الطائفية بوصفها ظواهر سياسية التي نجد مثالها في المحاصصة السياسية التي افقدت الواقع السياسي العراقي حيويته، وقدرته على التجاوز وبناء الثقة المتبادلة، والتخلص من(سايكوباثيا السياسي) المريض، والمحبط والذي يبدو فاقدا تحت هذا الرهاب رؤيته لملامح الاشياء وحضورها في المكان والزمان.
ان هذا التوصيف لعقدة السياسي ليس خاصا بايامنا السياسية وحتى الثقافية المحتشدة باصحاب الخطط الرنانة والنوايا العالية الصوت، بل انه يعبر عن نفسه ايضا من خلال الانكشاف على نماذج من السياسيين الذين ينتمون الى خطاب الاجندات التي ترتبط بهذه الجهة او تلك، والذين هم الان الاكثر عمومية  في التعاطي مع العديد من شجون وشؤون البلاد والعباد، تلك التي باتت تدفع لضرورة العمل على مواجهة تحديات الازمة السياسية، وتحديات استحقاق الدولة، وتحديات مرحلة مابعد الاحتلال، اذ وجد السياسيون انفسهم امام غابة من الاسئلة، خاصة تلك التي تتعلق بوقائع تأهيل المؤسسات، وتغذية عوامل الاشباع والتنمية في المجتمع، والسيطرة على مشكلات التعليم والبناء الاجتماعي والاقتصادي، وترميم الخراب العمراني، وايجاد بنية عسكرية وامنية محصنة ومهنية تحمي الدولة من الاعداء الخارجيين المسكونين بعقد الحروب التي تربط بعقد خضوع اغلب انظمتها للحكم الدكتاتوري..
ان مسؤولية السياسي الوظيفي والمهني العراقي في هذا الزمن  المعقد والمرعب والمفتوح على احتمالات واسعة، تفترض الوعي الاستثنائي بشروط بناء المكان، وشروط وعي الحرية وصيانة مؤسساتها وقوانينها، و شروط صناعة الدولة، وشروط صياغة المعادلات الفاعلة للامن الثقافي السياسي والاقتصادي، اذ ان هذا الوعي يتمثل في جوهره فكرة الانتماء لمفهوم الوطن، ومفهوم الانسان الجديد، و تشكيل اسس عملياتية لمفهوم الثقافة الجديدة التي يجب ان تتخلص من امراض المركز القديم، ومن كل رموزه وشفراته وحتى سردياته المضللة التي مازال بعض الحكواتيين يرددون اوهامها الغاوية.

حجز الفنادق

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*