النهر الثالث ( د. كريم شغيدل

وأنا أرقب قدوم العاصفة الرعدية التي ترابط الآن على مشارف بغداد، وقد أخذت طلائع السحب الداكنة تخيم على سمائنا، شطحت بتفكيري الاقتصادي قليلاً، لمَ لا نملك شبكات تصريف ستراتيجية للأمطار؟ لا لإنقاذ المدن من سيولها فحسب وإنما لخزنها واستثمارها بتحويل الصحارى المحيطة بالعراق إلى مزارع غناء، وسلال غذاء يمكن ان تمول نصف سكان العالم بأجود المحاصيل، طبعاً هي فكرة جداً خيالية، لكنها ليست مستحيلة على بلد يمتلك ثروات طائلة كالعراق. إن معدلات كميات الأمطار آخذة في الارتفاع، وهذا يجعلنا نطمح بشق نهر ثالث، وإحاطة مدننا بمناطق خضراء، بل إنشاء مدن جديدة في المساحات الشاسعة بمجرد وصول مورد مائي كفيل بإحياء الأرض وإنتاج الطاقة وإقامة المنشآت لجلب القوى البشرية العاملة، دعونا نحلم قليلاً، لا ضير، فغالبية التجارب الحضارية الكبيرة بدأت بأحلام صغيرة، داعبت عقول أناس معدودين، وبينما أنا سارح هكذا…. تذكرت قبل أيام حين انحسرت حركة السير في الكرادة داخل لغرض البحث عن سيارات مفخخة تتجول باحثة عن فرصة لحصد أرواح المواطنين الأبرياء، فقلت الأولى أن أحلم بشبكة أمنية تقينا شر المفخخات والناسفات والكواتم وأساليب توزيع الموت المجاني على أيدي زمر الإرهابيين القتلة.
كلها أحلام مشروعة وواقعية كما أرى، أحلم أن تكون محافظات العراق بمستوى ولايات أميركا، وبغداد بمستوى واشنطن، فالذين حلموا أن يجعلوا مدنهم بمستوى البصرة ولم يكونوا يطمحون بالوصول لمستوى بغداد، باتت مدنهم تضاهي المدن العالمية حضارياً، ولم تعد تشكل البصرة شيئاً يذكر مقارنة بالنهضة العمرانية التي خلقت مدناً جديدة على أنقاض قرى وخرائب، فالأحلام البسيطة أصبحت مدناً عملاقة، على الرغم من فقدانها العديد من العوامل الطبيعية والمناخية والبشرية التي تتمتع بها مدننا.
وفي غمرة هذا التداعي الحر، تذكرت الموازنة التي نتمنى ألا يطول انتظارنا لإقرارها، وألا تخضع للتجاذبات السياسية، وحلمت أن تكون نسبة إيراداتنا فيها من الموارد الأخرى مساوية لنسبة إيراداتنا من الثروة النفطية، وبسبب شكوكي المتزايدة وموجة الخيال التي تمكنت مني، خطر ببالي السؤال الآتي: ماذا لو نفد النفط بعد 50 عاماً أو أكثر؟ ومع النفاد التدريجي طبعاً، يكون العالم قد اتجه تدريجياً إلى إنتاج الطاقة النظيفة، ويكون قد أوجد بدائل عديدة عن النفط، ولا نجد من نصدر له نفطنا، حينها من أين نأتي بواردات تسد نفقات العباد والبلاد؟ ما البدائل التي ستعوضنا عن ثروتنا النفطية؟ هل خططنا لذلك؟ هناك سؤال آخر: لمَاذا لا نستفيد من تجارب العالم بإنتاج الطاقة النظيفة؟ ألأننا نملك نفطاً؟ لماذا لا نفكر بإنشاء مشاريع كبرى لإنتاج الطاقة من القمامة أو من المياه، لا سيما أن الأمطار التي ارتفعت معدلاتها في الآونة الأخيرة قد رفعت مناسيب المياه، أو من الغاز الطبيعي الذي لم نستثمره للتصدير، على الرغم من امتلاكنا كميات كبيرة منه، تضاهي ما تمتلكه بعض الدول التي تعيش على الغاز فقط بمستوى اقتصادي لا يضاهى، أو من الشمس التي تفيض علينا معظم فصول السنة بشعاها الوهاج؟ بل لماذا لا نفكر بإنشاء مفاعل نووي لإنتاج الطاقة والأغراض السلمية، العلمية والطبية وغيرها؟. ويقال إن بعض أراضينا غنية باليورانيوم، ما هي إلا أحلام صغيرة، أمنيات مشروعة، أرى أن نسعى لتحقيق ما يمكن أن يتحقق منها، من أجل المستقبل، فمرحى بالمطر نهراً ثالثاً يفيض خيراً علينا، بشرط ألا تغرق بيوت الفقراء، وألا تتوقف الحياة بسبب انغمار الشوارع بسيوله.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*