النفط العراقي من كولبنكيان وساسون حسقيل حتى سنة 2012 / بقلم : طارق حرب

يوم 12/ 12/ 2011 صرح رئيس البرلمان ان الخلافات بين الكتل السياسية تؤخر صدور قانون النفط والغاز واذا كانت اهمية صدور القانون تفوق اهمية وخطورة أي قانون آخر، فان الامر يتطلب القاء نظرة دستورية قانونية تاريخية على النفط العراقي حيث نهايات الدولة العثمانية عندما كان العراق جزءا من الدولة العثمانية، وبدأ تحرك الشركات الانكليزية للحصول على امتياز النفط العراقي، وفعلاً رفض السلطان العثماني عروض الشركات الالمانية ومنح الشركات الانكليزية هذا الحق بتاثير من مستشاره البرتغالي المستر كولبنكاين مقابل 5 بالمئة تدفع الى هذا المستشار حيث سمي مستر (5بالمئة) والذي أنشأ حفيده ملعب الشعب الدولي وبعض القاعات الرياضية خاصة في الكلية العسكرية نهاية الستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، علماً ان الدستور العثماني لم يتطرق الى احكام النفط والغاز.وبعد قيام الحكم الوطني في عشرينيات القرن الماضي لم يتطرق دستور 2005 الى النفط والغاز واستمرت الشركات الاجنبية في استثمار النفط، ولكن في تلك الفترة تقدم وزير المالية مقترحاً لاجل مساهمة العراق في راسمال الشركات عن طريق الاقتراض من البنوك الاوروبية وجعل حصة العراق ضامنة لتسديد القرض، اي ان العراق لايدفع فلساً واحداً من المال العراقي للمساهمة والنتيجة اذا تحققت الارباح فهي للعراق واذا حصلت الخسارة فان العراق لن يخسر شيئاً سوى الحصة التي حصل عليها بدون مقابل وكانت على سبيل القرض كما اقترح الوزير العراقي اليهودي ساسون حسقيل ان يكون الدفع، اما بالعملة البريطانية واما بالذهب او مايسمى بشرط الدفع بالذهب على الرغم من ان العملة ولكن هذه المقترحات لم تر النور ولم تتحقق.
ولم يتطرق دستور الاتحاد العربي الهاشمي بين العراق و الاردن الى النفط والغاز الذي طبق لعدة اشهر سنة 1958 وكذلك لم يتطرق دستور الجمهورية الاولى جمهورية عبد الكريم قاسم للنفط والغاز ولكن صدر في هذا العهد القانون 80 لسنة 1960 حيث حدد اراضي شركات النفط بالاراضي التي يتم استثمار النفط فيها واعادة الاراضي الاخرى للسيطرة الحكومية ولاهمية النفط على الصعيد الدولي فقد دعت حكومة عبد الكريم لمؤتمر للدول المصدرة للنفط وهي العراق والكويت والسعودية وايران وفنزويلا لعقد مؤتمر وبموجب هذا المؤتمر تم تأسيس اهم منظمة دولية بعد منظمة الامم المتحدة هي منظمة أوبك بعد عقد المؤتمر في بغداد.
اما الدساتير الصادرة في الجمهورية الثانية 1963 والجمهورية الثالثة 1966 ودستوري الجمهورية الرابعة 1968 و1970 فقد أوردت عبارة (الثروات الطبيعية ملك الشعب وملك الدولة) وفي سنة 1972 تم تاميم الشركات الانكليزية والهولندية النفطية وحلت محلها شركات برازيلية وفرنسية وسواها حيث تم تأميم شركة نفط العراق I.B.C وشركة نفط البصرة B.B.C وتم انشاء شركة النفط الوطنية وبعدها تم تأسيس شركة نفط الشمال وشركة نفط الجنوب. وفي مشروع دستور 1991 اورد لاول مرة ذكر للنفط والغاز حيث قرر ان السلطة المركزية تتولى حصرياً استثمار النفط والغاز.
وبعد غزو الكويت صدر قرار مجلس الامن الدولي 661 لسنة 1990 متضمناً حظر استيراد البضائع والسلع من العراق بما فيها النفط والغاز حتى ان النظام السابق بعد صدور هذا القرار اعلن التزامه بتسليم النفط لأية جهة ترغب الحصول على النفط العراقي باستثناء اسرائيل ولكن جميع الجهات رفضت النفط العراقي حتى ولو كان مجاناً .
ثم صدر قرار مجلس الامن 712 متضمناً التصدير الجزئي للنفط على ان يتم استقطاع (5 بالمائة) ودفعها كتعويضات عن احتلال الكويت وهذا ما يسمى بمشروع النفط مقابل الغذاء حيث كان يتم تصدير قليل من النفط العراقي على ان تدفع عوائد النفط الى حساب تابع للامم المتحدة وقد استغل النظام السابق هذا المشروع عن طريق ما يسمى كوبونات النفط وهي الرشاوى النفطية التي كان يدفعها النظام لمناصريه وكان طه ياسين رمضان نائب رئيس الجمهورية الجهة الاعلى في مسائل النفط واستمر الحال كذلك حتى صدور قرار مجلس الامن 1483 لسنة 2003 بعد الاطاحة بنظام صدام الذي فتح المجال امام تصدير النفط مع الإبقاء على استقطاع نسبة 5بالمئة كتعويضات حيث بلغت العشرات من مليارات الدولارات التي تم استقطاعها وتم انهاء مشروع النفط مقابل الغذاء وتصفيته بقرار مجلس الامن 1956 لسنة 2010 والذي تحفظت عليه فرنسا لأن المصرف الفرنسي كان يتولى ذلك .
ولم يتطرق الدستور الانتقالي ( قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية) لسنة 2004 الى النفط والغاز ولكن المادة الخامسة والعشرين والتي حددت الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية نصت الفقرة (هـ) منها على ان ادارة الثروات الطبيعية للعراق والتي تعود لجميع الاقاليم والمحافظات في العراق تعود للحكومة الاتحادية بالتشاور مع حكومات وادارات الاقاليم والمحافظات وهكذا فان النفط والغاز باعتباره من الثروات الطبيعية وادارته تكون من الاختصاصات الحصرية للحكومة المركزية في بغداد وإن أوجب الدستور التشاور فقط مع الاقاليم والمحافظات .
وفي الفترة التي تلت صدور الدستور الانتقالي تم استخراج النفط من اقليم كردستان وتم استثماره بعقود تولت حكومة الاقليم ابرامها مع الشركات النفطية .
وبعد تشكيل حكومة المالكي الاولى في شهر ايار 2006 حدث تغيير كبير في مسائل النفط والغاز فلقد ارتفعت صادرات العراق النفطية بشكل كبير عما كان عليه في الفترات السابقة وتولت الحكومة تأسيس شركة نفط ميسان وشركة نفط واسط وتولت عقد جولات التراخيص مع شركات النفط العالمية على أساس عقد الخدمة حيث تتولى الشركات الاجنبية تقديم المال والعمل والاستثمار ويتم استقطاع حقوقها من واردات النفط الذي يتم استخراجه مستقبلاً وفعلاً فان بعض الشركات قد تولت اكمال الاستثمار وتصدير النفط، وحيث ان الدستور اشترط موافقة البرلمان على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وليس العقود فان اجراءات الحكومة الاتحادية كانت عقودا مع شركات وليست اتفاقيات ومعاهدات مع دول، لذا فان هذه العقود تعتبر عقودا قانونية ولاتؤثر في ذلك القوانين التي اصدرها النظام السابق والذي كان يشترط صدور قرار من مجلس قيادة الثورة المنحل وذلك لصراحة الدستور الجديد ولانتهاء مجلس قيادة الثورة لاسيما وان جميع العقود تتم بالاستناد الى قانون الشركات الصادرة سنة 1997 والذي مازال نافذا وان الموضوع لايتعلق بمشاركة الشركات الاجنبية وانما هي عقود خدمة وعمل ومعدات تقدمها الشركات النفطية الاجنبية الى العراق.
 وصدر دستور 2005 النافذ من تاريخ الاستفتاء الشعبي 15/ 10/ 2005 وخلافا لجميع الدساتير العراقية السابقة بما فيها الدستور الانتقالي، فان الدستور الجديد أفرد مادتين للنفط والغاز هما المادة 111و112 وقد جاء هذا الدستور باحكام تفصيلية للموضوع فبعد ان عزفت الدساتير السابقة عن مسألة النفط والغاز ما خلا الدستور الانتقالي الذي وضع شرط التشاور اي المشورة وبيان الراي وليست المشاركة في اتخاذ القرار الخاص بالنفط والغاز، فان ظهور النفط والغاز في اقليم كردستان وتوسيع صلاحيات الاقليم والمحافظات ورغبة ممثلي الاقليم في كتابة الدستور وعدم المام من شارك في كتابة الدستور بهذه المسائل المهمة والفترة الزمنية القليلة المحددة لكتابة الدستور ورغبة البعض في انهاء كتابة الدستور باي شكل والتأثير الخارجي على لجنة كتابة الدستور، جعلت احكام النفط مفصلة وكثيرة وتتعدى مرحلة المشورة الواردة في الدستور الانتقالي الى مرحلة جديدة، حيث وردت احكام قابلة للتفسير بعدة اوجه بالاضافة الى التفصيل الوارد في الدستور، وكم كان الاولى بلجنة الدستور الاكتفاء بحكم المشورة فقط لاسيما وانها ماثلة امامهم في الدستور الانتقالي، الامر الذي يؤدي الى قطع الاجتهادات والتفسيرات والتأويلات، بحيث يكون الامر مماثلا لما هو مقرر في دساتير الدول الفدرالية، اذ لم نسمع في يوم من الايام ان ولاية الاسكا او ولاية تكساس في أرقى واقدم الدول الفدرالية كالولايات المتحدة الاميركية للصلاحية واختصاص في النفط والغاز يشابه الصلاحية والاختصاص التي قررها الدستور العراقي للاقاليم والمحافظات المنتجة للنفط وهكذا كان حيث نظم الدستور احكام النفط والغاز في المادتين 112,111 على الشكل التالي المادة 111 تقرر: ان المبدأ العام والقاعدة العامة وهي ان النفط والغاز ملك الشعب العراقي واذا رجعنا الى الجهة التي تمثل الشعب العراقي نجد انها الحكومة الاتحادية في بغداد ذلك انها تمثل الشعب باجمعه في جميع العراق، اما حكومة الاقليم فانها لاتمثل الشعب العراقي وانما تمثل جزءاً من هذا الشعب وهو الموجود في الاقليم فقط، وكذلك فان حكومة المحافظة لا تمثل الشعب العراقي وانما تمثل جزءا من هذا الشعب وهو شعب المحافظة فقط على الرغم من صراحة هذا النص والحكم وانه ورد في الباب الرابع الذي كان عنوانه اختصاصات السلطات الاتحادية، ولم يرد في الباب الخامس من الدستور الخاص بسلطات الاقاليم، فانه خضع لآراء متعددة جلها تذهب عن الفاظ الحكم الدستوري المذكور وموقعه في الدستور على الرغم من صراحة الاحكام المذكورة .
اما المادة 112 من الدستور فانها اوردت حكمين حول النفط والغاز اولهما ان الحكومة الاتحادية تقوم بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة وعلى الرغم من ان الدستور قال (تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط الغاز) وبعد ذلك اضاف عبارة (مع حكومات الاقاليم والمحافظات ) ولم ترد العبارة بان تقوم الحكومة الاتحادية مع حكومات الاقاليم والمحافظات اي ان الدستور اناط بالحكومة الاتحادية كقاعدة عامة، واضاف بعد ذلك مايتعلق بالاقاليم والمحافظات فان التفسير ذهب خلاف النص الدستوري واخذ ابعادا اخرى، فلقد وجد البعض في هذا الحكم انه يتناول النفط المستخرج، اما النفط الذي يتم استخراجه فانه للاقاليم والمحافظات دون ان يلاحظوا ان هذا حكم عام، وان المادة 111 من الدستور حكمت الموضوع كقاعدة عامة للشعب فان التطبيق وخاصة في اقليم كردستان هو اختصاص الاقليم فقط في موضوع النفط والغاز عند التعاقد مع الشركات النفطية خلافا للحكم المذكور.اما الحكم الثاني الذي ورد في المادة 111 من الدستور فهو ما يتعلق بالسياسات الاستراتيجية لتطوير النفط والغاز حيث اناط بالحكومة الاتحادية و حكومات الاقاليم والمحافظات شريطة الى يحقق ذلك اعلى منفعة للشعب العراقي الذي تمثله الحكومة الاتحادية ولا خلاف في مشاركة الحكومة الاتحادية للاقاليم والمحافظات برسم هذه السياسة، ولكن الخلاف في ان هذا الحكم جعل للحكومة الاتحادية القول الفصل في ذلك لانها تمثل الشعب العراقي، ومع ذلك فان هذا الحكم كان محلا للتغيير والتأويل خلافا لنصوصه في تقديم مصلحة الاقليم والمحافظة على مصلحة الشعب الذي تمثله حكومة بغداد.
وبالنسبة للمشاريع المقدمة بشأن تشريع قانون النفط والغاز فانه سيكون محلا للمناقشة المفصلة في الجزء الثاني من هذه المقالة.
الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*