الموقف القانوني من المطالبة العشائرية / بقلم : القاضي ناصر عمران الموسوي

تنص المادة (45 /ثانيا) من الدستور العراقي على ما يلي:(تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية، وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون، وتعزز قيمها الإنسانية النبيلة، بما يساهم في تطوير المجتمع، وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان) والنص الدستوري واضح  في تبنيه  الأعراف القبلية والعشائرية كقيمة إنسانية  كلما كانت متفقة مع الدين والقانون وحقوق الإنسان.
وقد شكلت العشائر والقبائل العراقية رقما صعبا ًومعادلة مهمة في تاريخ العراق السياسي، ويكفي أنها حملت ذات يوم حاسم من تاريخ العراق راية الثورة العشرينية ضد الاحتلال البريطاني، وتحت هذه الراية اصطف العراقيون جميعا نسيجا ً واحدا ً، ليعلنوا أن ارض العراق عصية على الاحتلال الأجنبي، ومن ثمرات ثورة العشرين تأسست الدولة العراقية، ولم ينته ِ دور العشائر والقبائل العراقية  عند هذا الحد بل سايرت مراحل صعبة من تاريخ العراق، وكان دورها بعد سقوط النظام كبيرا ً ومهما ًفقد كان للأعراف العشائرية والقبلية دور كبير في المحافظة على السلم الأهلي إبان غياب القانون وانهيار الدولة  وحلت محل القانون لفترة طويلة نسبيا ًحتى بدأت الدولة تتشكل ليأخذ القانون مداه.
وبالرغم  من أن الاجتماعات العشائرية والقبلية ما تنفك تصرح دائما أنها مع سيادة القانون وأنها مع دولة القانون والمؤسسات،إلا ان هناك أعرافاً لما تزل تظهر بفعل الترسبات التي خلفتها مرحلة الفوضى وسوء الفهم لدى بعض الأشخاص والعشائر والقبائل  وغياب دور القانون،ومن هذه الأعراف هي (المطالبة العشائرية) والتي  تعني بصورتها المختصرة: (الاعتراض على السلوك والتصرف الذي قام به شخص أو أكثر من عشيرة وقبيلة معينة باتجاه  شخص آخر او أكثر من قبيلة أخرى أو من ذات القبيلة والعشيرة والدعوة إلى جلسة عشائرية شبيهة بالمحاكمة كون التصرف او السلوك يشكل اعتداء او اهانة او اساءة للفرد والعشيرة حسب مفهومهم  وقد تنتهي بأداء الدية)، وهذه الدعوة  اخذت تأخذ منحى خطيراً تحدثت عنه وسائل الاعلام  حيث صارت هذه الدعوات التي يتعرض لها الموظفون والمكلفون بخدمة عامة نتيجة ادائهم لعملهم وتنفيذهم للقانون أو لأمر صادر اليهم من جهة أعلى  تشكل عائقا ً امام تنفيذ اعمالهم وبخاصة افراد الشرطة والاطباء  والموظفين والمكلفين بخدمة عامة. وقد ظهرت المطالبات العشائرية  في عهد النظام المباد عندما بدأت سلطة النظام تتهاوى وتضعف بفعل الحصار المفروض عليه والمشاكل الداخلية والمعارضة ضد نظامه،مما حدا به لإصدار قرار لمجلس قيادة الثورة المنحل بالرقم (24) لسنة 1997 والذي ينص:(يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات كل من أدعى بمطالبة عشائرية ضد من قام بفعل تنفيذا ًلقانون أو لأمر صادر إليه من جهة أعلى ) ونُشِر القرار واعتبر نافذا ً بجريدة الوقائع العراقية بالعدد 3664   في 7 /4 /1997،واليوم وبعد انهيار النظام الدكتاتوري السابق وعبور الدولة إلى مرحلة فرض وسيادة القانون تحت مظلة دستور عراقي يضمن للمواطن أيا ً كان ، كافة حقوقه وحرياته  و تفرض عليه بالمقابل  الالتزام بالقانون وتطبيقه واحترام الموظفين والمكلفين بخدمة عامة كونهم يقومون بأداء واجبهم الذي يفرضه القانون والأوامروالتعليمات، وتنفيذهم للقانون والأوامر الصادرة إليهم  والتي تستند الى التطبيق  القانوني السليم وفي الوقت الذي يلتزم فيه الموظف والمكلف بخدمة عامة بتنفيذ القانون فان من يتعرض لعملهم أثناء أدائهم لواجبهم  وبعد تنفيذه الذي فرضه القانون يتعرض للمساءلة القانونية.
والحقيقة ان القرار(24) لسنة 1997 جاء تشديداً للعقوبات الواردة في قانون العقوبات ومنح خصوصية لجريمة المطالبة العشائرية بالدية وهو ما يسمى عرفا ً (الكوامة العشائرية) فالمواد (229 / 230) من قانون العقوبات تناولت الاعتداء والتهديد والإساءة للموظف او المكلف بخدمة عند تنفيذهم لواجبهم وفرض عقوبة على ذلك والتي وصل الحد الأعلى للعقوبة في المادة (229) إلى الحبس مدة لا تزيد على السنتين وفي المادة (230) الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات،لكن القرار المذكور جاء تشديدا ً للعقوبة المفروضة في الفصل الثالث من قانون العقوبات العراقي وتحت عنوان (الاعتداء على الموظفين المكلفين بخدمة عامة) وبتفاصيل ورؤى أخرى تختلف عن مساحة عمل المواد القانونية التي تم ذكرها.
ان جريمة المطالبة العشائرية لمن قام بتنفيذ القانون او الأوامر الصادرة إليه من جهة أعلى،هي جريمة لا تختلف عن غيرها من الجرائم في الأركان العامة للجريمة  لكنها تتصف بأركان خاصة تمنحها خصوصية  معينة،كجريمة مشرعنة  تم وضع  العقوبة المناسبة لها والتي تهدف لتحقيق الردع العام وفرض هيبة الدولة وموظفيها  والأركان العامة هي :
1ـ الركن المادي للجريمة (السلوك المادي): وهو الركن الذي عرفه قانون العقوبات في المادة (28) منه بأنه: (..سلوك إجرامي بارتكاب فعل جرمه القانون أو الامتناع عن فعل أمر به القانون) وفي جريمة الادعاء بالمطالبة العشائرية يتمثل بأي سلوك يتخذه الجاني أو الجناة ضد المجنى عليه او عليهم، والجريمة كما أسلفنا هي نوع من أنواع التهديد يكون الطريق فيها بإشراك المنظومة الاجتماعية التي تنتمي لها اطراف الدعوى الجاني والمجني عليه، ومن هنا تتأتى أهمية تشديد العقوبة بجعل سقفها الأدنى للعقوبة هو ثلاث سنوات وترك تحديد سقفها الأعلى لتقدير المحكمة، ووفق القانون باعتبار نوع الجريمة جنحة يعاقب عليها بالحبس، وفعل التهديد يتم بأي صورة كانت فقد تكون  تحريرية (الادعاء بالمطالبة تحريرياً) كأن تكون برسالة مرسلة من المشكو منه إلى المشتكي ولا يهم الصورة التي عليها الدعوة بالمطالبة فكما تكون بخط اليد او بالآلة الطابعة وسواء أكانت مختصرة او كانت على شكل رسالة مطولة،وغالبا ً وحسب العرف العشائري تذيل او تحتوي الرسالة بعبارة (كوم) او اي عبارة أخرى ترتبط بطبيعة المجتمع وعباراته  وفي الكثير منها تحمل عبارات الإنذار والتهديد والوعيد وبعضها بصورة العتب المبطن بالتهديد، وفي حالة اي التباس بالعبارات التي ترد يمكن  للمحكمة (الاستعانة بخبراء ) لمعرفة القصد المتعارف عليه وطبيعة العبارات المكتوبة،وليس بالضرورة ان تكون الدعوة الى المطالبة صادرة من المشكو منه شخصيا فقد تكون من اي شخص يمثله وفي الأغلب يكون شيخ عشيرته أو قبيلته أو من هو اكبر منه سناً، وليس بالضرورة أن تكون موجهة إلى المشتكي فتتحقق الدعوة للمطالبة العشائرية ولو كانت موجهة إلى شيخ عشيرة أو قبيلة المشتكي أو احد أقاربه،والمهم إنها تتضمن الدعوة إلى المطالبة العشائرية، ومثلما تكون مكتوبة وتحريرية كذلك يمكن أن تكون بشكل (شفوي) عن طريق عبارة أو عبارات يطلقها المشكو منه إلى المشتكي وغالبا ما تكون في حالة غضب وانفعال، وتسري على العبارات الشفوية في الدعوة إلى المطالبة العشائرية ما سبق أن ذكرناه في الدعوة للمطالبة العشائرية التحريرية،ويشترط القانون وهي ملاحظة مهمة علم المشكو منه أو الجاني بصدور الدعوة إلى المطالبة العشائرية التحريرية والشفوية.
2 ـ الركن المعنوي للجريمة (القصد الجرمي): والذي عرفته المادة (33 /1) من قانون العقوبات بأنه: (هو توجيه الفاعل إرادته إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفا ً إلى النتيجة الجريمة التي وقعت أو أي نتيجة جرمية أخرى) والقصد ألجرمي وحسب النص يتطلب لتحققه وجود إرادة مدركة عند ارتكاب الفعل فلا تتحقق الإرادة المدركة لدى (المجنون والصغير) وتتحقق إرادة المتهم بارتكابه الفعل بنفسه أو بواسطة غيره طالما تحقق عنصر العلم والإرادة.
وهناك أركان خاصة في الجريمة وهي:
1ـ صفة الموظف والمكلف بخدمة عامة فلا تتحقق الجريمة إذا كانت الدعوة للمطالبة العشائرية ضد شخص غير موظف أو مكلف بخدمة عامة والموظف حسب المادة (الثانية) من قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960 المعدل هو: (كل شخص عهدت اليه وظيفة دائمة داخلة في الملاك الخاص بالموظفين).
كما لا تتحقق الجريمة ولو كانت صفة الموظف والمكلف بخدمة عامة حاضرة إذا كانت الدعوة إلى المطالبة العشائرية كانت بسبب لا دخل للعمل وتنفيذه بهذه، فعليه لتحقق الجريمة يجب أن يكون الموظف والمكلف بخدمة عامة قد تعرض إلى دعوة للمطالبة العشائرية  عند قيامه بفعل تنفيذاًً لقانون او لأمر صادر إليه من جهة أعلى.
ويثبت ذلك عن طريق كتاب رسمي من دائرته يؤكد قيامه بتنفيذ القانون او الأمر الصادر إليه من جهة أعلى  وان المطالبة العشائرية كانت بسبب تنفيذه للقانون او لامر صادر اليه من جهة اعلى، وبعدها تظل الدعوى رهن الإثباتات الجنائية  وصلاحيات المحكمة التقديرية.
إن جريمة ا لادعاء بالمطالبة العشائرية ضد من قام  بعمل تنفيذا لقانون او لأمر صادر من جهة أعلى،واحدة من الجرائم التي تعتبر من جرائم (الحق العام) كون المعتدى عليه فيها  الموظف المكلف بخدمة عامة عند تنفيذه للقانون او للأوامر الصادرة من جهات عليا، وقد شهد العراق بعد التغيير ولا يزال الكثير من حالات المطالبات العشائرية والكثير منهم دفع ما يسمى (بالفصول العشائرية) تحت واقعة الضغط والظروف التي مر بها البلد، وحين يُفعل هذا القرار فانه يعالج حالة جرمية استشرت نتيجة الفهم الخاطئ لدور العشيرة والدولة، فالعشيرة أو القبيلة هي انتماء اجتماعي  مهم لكنه  لا يمكن ان يكون فوق القانون ولن يكون بديلا ًعن الانتماء للوطن والدولة.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*