الموازنة.. حسابات الحصص.. إشكالات السياسة / بقلم : علي حسن الفواز

تدخل الموازنة العامة من جديد الى نفق التقاطعات والصراعات والتجاذبات السياسية، وتحمل معها  الكثير من الحسابات التي تخص هذا الطرف او ذاك من الفرقاء السياسيين او من الحكومات المحلية او من بعض ادارات السلطات الرسمية.. فكيف يمكن مواجهة هذه التقاطعات التي باتت تهدد ايقاف العجلة الاقتصادية للدولة العراقية؟ وهل ان التخطيط  لهذه الموازنة يفتقر فعلا الى معالجة هذا الخلل الذي يتحدث عنه الكثيرون؟ ولماذا لاتتم  السيطرة على ازمة الموازنة داخل مجلس الوزراء الذي يضم كل الفرقاء السياسيين بدل هذه الاستعراضية التي تسقط الكثير من الاعمدة؟
يبدو ان حديث الموازنة العامة حديث سياسي بامتياز، وان كل مايقال في وسائل الاعلام وفي المحافل العامة يفتقد الى الجدية والمسؤولية، مثلما  يخضع للكثير من الحسابات الانتخابية او الدعائية، لكن هذا لايعني ان الموازنة العامة التي قدمت الى مجلس النواب (كاملة المواصفات) وانها مثالية في التوزيع العادل  للثروات، لاسيما في حقول انفاقية  قد تحمل معها الكثير من الاسئلة والشكوك..
خضوع موازنة العام 2014 الى الصراعات السياسية وضعها امام خطر التعويم، وامام خطر العجز المالي والذي يمكن ان يكون كارثة من الصعب السيطرة على تداعياتها، فاذا كانت موازنة العالم الحالي المرسلة من وزارة المالية الى مجلس الوزراء قد بلغت 174 تريليونا  و649مليار دينارا، وبزيادة اكثر من 36 تريليون دينار عن موازنة العام 2013، فانها وضعت الخطط والبرامج الافتراضية لهذه الموازنة امام الكثير من الاشكالات، ولاسيما مايتعلق بتوزيع التخصيصات على الجهات ذات العلاقة، وهذا ما اشارت اليه النائبة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب بالقول (أن مخصصات القوى العاملة للوزارات والدوائر الممولة مركزيا بلغ عددها 3 ملايين و63 ألف موظف، كما خصصت الموازنة مبلغ 3 تريليونات دينار كرواتب جديدة، فيما تم تخصيص  مبلغ 3 تريليونات و248 مليار دينار للقطاع الزراعي، و2 تريليون و405 مليارات دينار للقطاع الصناعي، وتريليونا و978 مليار دينار للتشييد والاعمار.
وتابعت ايضا ان فقرات الموازنة العامة تضمنت تخصيص مبلغ 99 مليارا و240 مليون دينار لرئاسة الجمهورية و4 تريليونات دينار و153 مليار دينار كموازنة عامة لمجلس الوزراء و380 مليار دينار كموازنة لمجلس النواب، لافتة الى تخصيص مبلغ 5 مليارات و 305 ملايين دينار للجنة الطاقة التي يرأسها نائب رئيس الوزراء حسين الشهرستاني و10 مليارات دينار للجنة الاقتصادية التي يرأسها نائب رئيس الوزراء روز نوري شاويس و 14 مليار دينار للجنة الخدمات التي يرأسها نائب رئيس الوزراء صالح المطلك.
كما خصصت مسودة الموازنة للعام 2014 مبلغ 10 تريليونات و656 مليار دينار للادارات المحلية (مجالس المحافظات) وهيئات الاستثمار في المحافظات، و15 تريليونا و910 مليارات دينار كديون محلية ودولية بضمنها تعويضات دولة الكويت التي بلغت 6 تريليونات و511 مليار دينار، فيما بلغت موازنة اقليم كردستان 18 تريليونا و936 مليار دينار)
هذا التأطير العام لمسودة الموازنة التي وصلت الى مجلس النواب في نسختها الاولى، اصطدم بجملة من العقبات، منها مايتعلق بتخصيصات اقليم كردستان والبالغة 17 بالمئة من الموازنة، والتي تفترض ان الاقليم  يسلّم لخزينة الدولة الاتحادية مايقابل تصديره لـ(400)الف برميل من النفط المصدر من اباره، وبالسعر الوطني المباع في الاسواق العالمية.. اذ ان عدم التسليم يعني تعريض الموازنة للعجز كما يقول النائب حيدر العبادي رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب، وبالتالي فان الموازنة ستكون غير قادرة على تغطية الكثير من المفاصل الرئيسية المشمولة بها، ومنها موازنات المحافظات العراقية الاخرى..ومن العقبات الاخرى التي اصطدمت بها الموازنة عقبة تتمثل في رفض ثمان محافظات عراقية منتجة للنفط او فيها مصانع لتكرير النفط تحديدات مجلس الوزراء لخطة البترودولار لما ورد في مسودة الموزانة على اساس منح هذه المحافظات دولارا واحدا عن كل برميل، والمطالبة بان تكون حصة هذه المحافظات 5دولارات لكل برميل منتج..

الموازنة والسياسة

ازمة السياسة العراقية تنعكس بشكل سلبي على وضع الموازنة في السياقات الصحيحة، لان استمرار هذه الازمة يعني الاستمرار بوضع العراقيل امام مناقشة الموازنة واقرارها في مجلس النواب، اذ ان مقاطعة  القائمة العراقية والقائمة الكردستانية لجلسات المجلس احتجاجا على تمريرها في مجلس الوزراء وسط مقاطعة الوزراء الكرد، وضع اقرار الموازنة بصيغتها الحالية مجالا للتأويل السياسي اكثر من التفسير المرجعي للدستور العراقي، كما ان اعتراض رئيس مجلس النواب على تقليص مخصصات المجلس يثير ايضا الكثير من الشكوك حول امكانية تمرير الموازنة بعيدا  عن اعادة ترتيب الكثير من فقراتها محل الجدل..
انعكاس ازمة السياسة ليس هو العلة الرئيسية في التأثير على معطياتها، وعلى حدود ماتعكسه من توسعات ظاهرة في البنية الاقتصادية العراقية، لان تضخم هذه الموازنة في ارقامها الكبيرة لايضع في حسابه معطيات التغيّر في الواقع العراقي وبروز العديد من الازمات الجديدة، ومنها الازمات الامنية، والحاجة المتزايدة للانفاق العسكري لتغطية حاجات القوات المسلحة والمؤسسات الامنية الاخرى، فضلا عن الوقوف عند مشكلات تضخم القاعدة التشغيلية العاملة والتي تحتاج الى تغطيات مادية مناسبة، يقابل ذلك الضعف الخطير في التخصيصات الاستثمارية من الموازنة والتي لاتشكل رقما مهما، وضعف مصادر توظيفها وتشغيلها، فضلا عن عدم وجود برامج انمائية واضحة يمكن ان تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد العراقي، وفي تخفيف التضخم  عن القاعدة التشغيلية المنهكة  للاقتصاد العراقي الريعي، والذي  يخضع مساره الى سعر برميل النفط في الاسواق العالمية..
ان البحث عن سبل حقيقية لمعالجة الكثير من الملفات  التي ترتبط بمفاعيل الموزانة الوطنية، ينبغي ان يخضع الى مواجهات صريحة، والى شفافية واضحة، والى الكثير من المهنية، لاسيما في ابعاد العراق عن المديونيات، وتنظيم علاقة الاقتصاد العراقي مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ووضع سياسات برامجية لمواجهة ملفات وطنية مهمة، والتي يأتي في ابرزها معالجة ظاهرة الفقر، وتردي الخدمات بما فيها الطاقة الكهربائية، والسيطرة على نسب البطالة الكبيرة، والسكن والتعليم وانعاش البنى التحتية للواقع الصحي والتعليمي والثقافي والعمراني، وهذا يتطلب الكثير من الجهد التخطيطي والبرامجي، ويتطلب تبني سياسة نقدية دقيقة تضبط نسب الانفاق والصرف، وتسهم في انعاش السوق الحر، ولكن على وفق معايير الحوكمة  التي تسهم في البناء المؤسسي وفي تيسير عملية البناء الاقتصادي وتطوير حلقاته، والحد من نسب  التضخم الاقتصادي، من خلال اتباع السياسات الاقتصادية المتكاملة، ومنها السياسات المصرفية التي تمنع تهريب العملة الصعبة وغسيل الاموال، وبالشكل الذي يجعل من السوق العراقية سوقا آمنة للاستثمار الاقتصادي الذي يمكن ان يكون عونا للسياسات الاقتصادية التي تبعد العراق عن مظاهر التضخم، وتفتح مجالات واسعة لوجود اسواق اقتصادية تدعم الرأسمال الوطني، فضلا عن العمل على ايجاد مصادر اخرى، منها تنشيط السياحة وتنظيم السياسات الضريبية، وبما يناسب طبيعة المعمول به في السياسات الاقتصادية دول  العالم الاخرى.
ان تأخير اقرار الموازنة في مجلس النواب سيكون ورقة سياسية اكثر خطورة على ترتيب الكثير من الملفات والاستحقاقات، وسيفتح الباب ايضا امام المزيد من الارباك في العمل المؤسسي، لاسيما على مستوى تأمين فرص عمل  للكثير من المحتاجين، وعلى اقرار برامج التنمية الاجتماعية والخدماتية لمؤسسات الدولة ولبرامجها المستقبلية.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*