المكون العراقي ( باسل محمد

من ابرز مزايا العملية السياسية الحالية انها سمحت للسياسي ومكنته من ان يتحدث عن مكونه الديني او الطائفي او العرقي بحرية و بشكل لافت ومثير، كما ان من اهم قناعات هذه العملية السياسية،  الاعتقاد  ان التفاني من اجل المكون العراقي يبدأ من التفاني من اجل المكون الديني او المذهبي او الاثني  وان عراقية العراقي هي موضع شك وقلق بسبب سياسات النظام الدكتاتوري السابق الذي خص بعض المكونات باضطهاد استثنائي  ولذلك يجب التساؤل الآن،  الى اين سيذهب العراق نتيجة تأثير هذه القناعات في المسار السياسي للدولة الديموقراطية؟ 
المشكلة الخطيرة التي بقيت دون حل، ان الديموقراطية و النظام الانتخابي جرى تطويعهما  لصياغة دولة مكونات جزئية وليست دولة مدنية تؤمن بالمكون الوطني العراقي بدليل ان السياسيين لازالوا يتحدثون عن توافقات على المناصب و الوزارات و الموارد ومازال هؤلاء السياسيون يستنجدون بالمكونات الجزئية اذا واجهتهم مشكلات. 
في الولايات المتحدة، الدولة القوية العظمى  والدولة الديموقراطية الرائدة والدولة التي احتلت العراق و رعت بناء العملية السياسية الديموقراطية فيه، لم نسمع من احد من السياسيين في الحزبين الرئيسيين الديموقراطي و الجمهوري او اي احد آخر انه تحدث او نشط بأسم مكونه رغم ان المجتمع الاميركي يضم مكونات عرقية و دينية و مذهبية تفوق ما موجود في المجتمع العراقي بكثير! 
الخطير في الموضوع، ان المكون العراقي اصبح مجرد كلام او دعاية او خطاب سياسي للمزايدة او المناكفة مع الآخر في حين تحول المكون المذهبي او الاثني الى نضال و عناد واستماتة  وخطط وبرامج من اجل الحقوق والوجود. 
ومع مرور اكثر من ثماني سنوات على التغيير من نظام دكتاتوري مدمر الى نظام انتخابي، من الضروري ان يتم طرح التساؤلات التالية: ما  الفائدة التي جناها العراق من تمكين السياسيين ان يتحدثوا عن مكوناتهم؟ الى متى يمكن ان يستمر التركيز على مكونات الجزء على حساب المكون الرئيس الكلي؟  كيف سنحافظ ونحفظ وحدة العراق بوجود هذا التعصب او التحيز للمكون الجزء؟ هل توجد مساع لكي يتحول المكون الجزئي الى مكون كلي وينتهي اسم وعنوان المكون العراقي؟ هل هناك رفض او تراجع من قبل بعض السياسيين عن كون العراق هو مكونه الكلي؟ 
وفي ظل دوران العملية السياسية حول نفسها  من دون احراز تقدم فريد في السلم الاهلي و التنمية و الأمن والدور الاقليمي و منع التدخل الخارجي، فأن في صدارة الاسئلة الملحة، ألم يحن بعد موعد مراجعة وتقييم هذا النهج الهادف الى تغليب المكونات الجزئية في السياسة بطريقة بحثية تخضع لمعايير العلم؟ 
للتحذير، اذا تجنب السياسيون طرح مثل هذه الاسئلة  او تجاهلوا الاجابة عنها، فأن العراق مقبل على تطورين مدمرين الاول،  انهاء الاعتراف بالمكون الكلي والتوجه الى الانفصال و التقسيم. و الثاني، لا سمح الله، عودة الحرب الاهلية وبصورة و بوتيرة اعنف واوسع. 
لوضع النقاط على الحروف، يجب على السياسيين ان يصدقوا ان الطريقة التي يتم التعامل بها مع المكون الكلي وهو المكون الوطني العراقي في الوقت الحاضر ستؤدي الى تفكك هذا المكون و الذهاب الى ان يصبح المكون الجزئي هو المكون الوطني لكل جهة. 
في التفكير المنهجي، فأن بقاء و استمرار عملية ادارة الدولة تحت تأثير  قناعة المكونات الجزئية معناه ان السياسيين يقودون العراق تدريجياً الى الذوبان في هيبة و قوة و نفوذ المكون الجزئي.. وفي اطار هذا التفكير المنهجي، فأن التواصل مع هذه القناعة يهدد بانهيار نظام التعايش الذي دام لعقود طويلة بين العراقيين. 
من حق اي مكون مذهبي او ديني او عرقي ان يكون له موقف او ادارة  لتنظيم شؤونه و تعزيز قيمه ومعتقداته و طقوسه ولكن من الخطأ ان يتحول كل ذلك الى وقف سياسي لهذا المكون او ذاك، بمعنى ان يتولى السياسي او المسؤول في الدولة تمثيل مكونه لأن الدولة للمكون العراقي وتمثل العراقيين جميعاً ولا تمثل هذا المكون او ذاك. 
ورغم كل هذه السنوات المرة و المريرة ورغم التداعيات والمطبات التي تواجه العملية السياسية الديموقراطية، فأن الاحزاب المذهبية بقيت مذهبية و الاحزاب القومية بقيت قومية ولم نسمع من احد انه بادر الى حل حزبه و تشكيل حزب سياسي مدني يؤمن بالمواطنة للمكون العراقي، بمعنى ان المواطنة تمنح على اساس الالتزام بالمكون الوطني العراقي و ليس على اساس هوية المكونات الجزئية. 
ووفقاً للنظريات السياسية العلمية، فهذا الحزب عندما يكون مذهبياً يؤمن بمواطنة مكونه و هذا الحزب عندما يكون قومياً يؤمن بحق المواطنة للمواطن من قوميته ولذلك في النظام الديموقراطي المدني وحده هناك من يؤمن ان المواطنة للجميع. 
في عراقنا، هناك قناعات سياسية يجب ان تتبدد وتتبدل لكي يعرف السياسي كيف يحترم مكونه الجزئي ولكن النصرة و الغلبة لمكونه الوطني العراقي وكيف يجمع بين مكونه القومي و المذهبي و بين مكونه العراقي، وعليه ان يعلم انه مذهبي في مسجده او منزله  وقومي في عاداته و اعياده و ثقافاته، اما في الدولة ومؤسساتها فهناك مكون واحد ووحيد هو المكون العراقي وعليه ان يسلم ان الدولة خط احمر امام جميع المكونات الجزئية. 
في الولايات المتحدة الفدرالية، ليس هناك مواطنً كالفوني او فلاديلافي او واشونطوني ولذلك على السياسيين وبعض المواطنين في عراقنا  الا يفسر عندما ينشأ اقليم في البصرة وفق الدستور ان يكون مواطناً بصراوياً  وفي الموصل مواطناً موصلياً ..  وعليه ان يفهم هذا السياسي او المواطن ان كل العملية تتعلق بالأدارة وديناميكيتها و لا يتعلق الامر على الاطلاق بالهوية و الانتماء، فالهوية عراقية و الانتماء عراقي. من اعظم احلام العراق الديموقراطي، ان يسن قانون لمحاكمة اي مواطن او سياسي ينصر مكونه الجزئي على مكونه العراقي وان يأتي يوم قريب يجلس فيه احد ما داخل قفص وتكون تهمته انه غلب مكونه المذهبي او القومي على مكونه العراقي. 
وفي الحسابات الجيو ستراتيجية، فأن السياسيين العراقيين يجب ان يعلموا ان انشاء دولة كردية في الشمال ستعرض الشعب الكردي العراقي الى بطش واذلال وابتزاز دول الجوار، كما ان انشاء دولة في الانبار سيدفع دولة مجاورة لضمها وهذا حديث مطروح في الغرف المظلمة لأجهزة هذه الدولة، كذلك قيام دولة في نينوى ستكون فرصة لضمها و ابتلاعها من قبل دولة مجاورة وتنطبق هذه الاحوال على كل الخيارات التقسيمية الاخرى، لذلك على السياسيين قبل غيرهم ان يؤمنوا ان الخيار الاوحد  والآمن لجميع المكونات المذهبية و الدينية و العرقية هو العراق والمكون العراقي. 
واذا كانت بعض السيناريوهات السياسية الاقليمية تنذر بتقسيم دول الجوار الى دويلات في المستقبل المنظور او البعيد، فأن امام المكونات الجزئية في عراقنا خيار ان يصبح المكون العراقي اي العراق دولة عظمى في المنطقة ويعني ذلك ان وجود مكون عراقي هو مصلحة ستراتيجية لجميع المكونات الجزئية في كل الظروف والاحتمالات وفي كل الاحوال. 
وعلى جميع السياسيين دون استثناء، ان يؤمنوا ان اختفاء العراق والمكون العراقي لا سمح الله هو بداية ذل ما بعده ذل لجميع المكونات الدينية و المذهبية و القومية وسيأتي اليوم الذي تبكي فيه هذه المكونات ندماً  على العراق الذي فقدته. 
وعلى هؤلاء السياسيين ان يتمعنوا بتطورات اجزاء من العالم باتجاه المزيد من الاندماج و الوحدة و التكامل والا فأن هذه الاجزاء او هذه الدول من العالم التي تحقق طفرات في التقدم العلمي  والنفوذ و التأثير و الكرامة على خطأ ,, وساسة العراق الذين تراخت عراقيتهم امام صلابة مكوناتهم المذهبية و الاثنية وتراخت معها مسيرتا  الأمن و التنمية، على صواب.!

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*