المصالحة / بقلم : عبد الستار جبر

اذا كان شبح الحرب الاهلية قد ولى، فلم يول بعد شبح العنف الذي يرعبنا يوميا باخباره الدموية. ومن الغرابة ان الانفجارات تتزامن مع الدعوات المتكررة للمصالحة الوطنية. وكانها دعوات تحث على الخلاف اكثر مما تدعو الى السلم والتوافق، فما سر هذه المفارقة التي ندفع ثمنها الباهظ من اوراحنا وصحتنا واستقرارنا؟

لقد انحسر مد الطائفية بيننا، فوضعت بنادقَها جانبا، ولم نعد نحشوها برصاص الحقد لنقتل على الهوية، رغم انه ما زال الكثير بيننا متعصب لها، الا يعني ذلك اننا نقطف ثمار المصالحة الاجتماعية، بعد ان اشبعتنا الصراعات قتلا وتعذيبا وتهجيرا، فادركنا ان خيارها يعني خسارة الجميع، وان الايدي التي زجتنا في هذا المعترك من سياسية ودينية هي من يربح فقط.

ما تحقق من امن نسبي كان ثمرة لهذه المصالحة قبل ان يكون حصيلة جهود عسكرية، والا لاستطاعت القوات الامنية ان تحسم هذا الملف بشكل نهائي، فالبنادق التي لم تصمت بعد ليست طائفية او قومية بل سياسية، والدعوات المتواصلة للمصالحة تكشف عن ذلك، فما المصالحة الوطنية سوى مصالحة سياسية بين كيانات تتنازع على السلطة، وليست مصالحة اجتماعية بين طوائف وقوميات وعشائر، وهي احق بتسمية المصالحة الوطنية، لانها اساس الوطن قبل السياسية، التي ينبغي ان يطلق عليها اسم المصالحة السياسية لتكون الصورة اوضح ونتخلص من خلط الاوراق.

لقد بادر الشعب فتصالح اجتماعيا بين مكوناته الاثنية والمذهبية، لانه تمسك بارادة الحياة وخيار السلم والتعايش المشترك، لكن السياسيين مازالوا يرفعون السلاح بينهم، وليتهم يتقاتلون بعيدا، في جبهة نائية او مكان قصي، لكنا قلنا لهم اشبعوا قتلا بينكم، لكن المصيبة اننا اهدافهم، نحن من تصوب نحوه الاسلحة، لاننا حطب الصراع على السلطة، هذه اللعنة التي حلت على العراق منذ تشكيله الحديث مطلع القرن الماضي. لعنة حولت السلطة الى مذبح للشعب واضطهاده وقمعه، بدل ان تكون سبيلا لاستقراره ورفاهيته، وحتى هذه اللحظة التاريخية، بعد التغيير، لم تفلح العملية السياسية الراهنة في ازالة لعنة السلطة، ولم تحسم طريقها بشكل نهائي، بين صناديق الاقتراع او السلاح.

كنا ومازلنا حطبا للسلطة، يتغير الحطابون ونظل ننتظر فؤوسهم، لكن هذا يتنافى مع اختيارنا لصناديق الاقتراع وسعينا للمصالحة الاجتماعية، فلا يكفي ان نقول لقد انجزنا ما علينا من مهمة وادينا دورنا، وبقي على الساسة ان يتصالحوا فيما بينهم. فنحن من يدفع الثمن، لذا علينا ان نقف بوجه فؤوسهم، ونبادر الى انذارهم بفقدان الصبر وعدم السكوت على سفك مزيد من الدماء.

مقالات عراقية

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: , ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*