المصالحة المستحيلة! ( سالم مشكور

مما طرحه أسامة النجيفي خلال زيارته للعاصمة الاميركية، موضوع المصالحة الوطنية وعدم رضاه عن تنفيذ إجراءات المساءلة والعدالة. أمام مستمعين من معهد بروكينغز قال إنه كان يتوجب أن تحذو الحكومة العراقية حذو إقليم كردستان في عملية المصالحة على قاعدة “عفا الله عما سلف ” .
قبل النجيفي، طرق هذه النقطة الكثير من غير الراضين عن إجراءات اجتثاث البعث. كلهم ساقوا ما جرى في كردستان مثلا، وبعضهم ذهب أبعد فأشار الى ما جرى في جنوب أفريقيا بعد الاطاحة بالنظام العنصري، لكن أيا من المتحدثين عن التجربتين، لم يشر إلا الى عنوان ما جرى من دون ان يدري – أو تعمد – أن يتجاهل مضمون وحقيقة المصالحة التي جرت في هاتين المنطقتين.
قبل سنوات، كنت أجري حوارا تلفزيونيا مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، كان الجو ملتهبا بينه وبين رئيس الوزراء بسبب دعم مجلس إسناد في كركوك، بلغ بارزاني بأن بينهم من عناصر ميليشيا الفرسان (الكردية الموالية للنظام الدكتاتوري السابق). عندما وصل الحديث الى موقفه من هؤلاء ظهر الغضب على وجهه  بوضوح وأخذ يهدد بأنه مستعد لدخول الحرب مع القوات العراقية وأنه سيقوم بإعدام الجحوش المنخرطين في هذه المجالس مبررا ذلك بأن هؤلاء “وقعوا على اعدامهم في حال عودتهم الى العمل ضد مصالح الشعب الكردي”. كان بارزاني يشير الى العفو الذي صدر بحق هؤلاء والذي تضمن التوثيق على وثيقة اعتذار عما قاموا به والتعهد بعدم العودة الى ذلك وإلا فانه ستتم معاقبتهم بالاعدام. هكذا كان وعاد الآلاف من أعضاء تلك الميليشيا الكردية الذين سخّرهم النظام الدكتاتوري السابق للعمل ضد أبناء جلدتهم، ليعيشوا حياة عادية.
هذه هي حقيقة العفو في كردستان. أما في جنوب أفريقيا فان مقتضيات العدالة الانتقالية قضت بأن يقدم كل المتورطين في عمليات القمع الاعتذار علنا ليحصلوا على العفو من الحق العام، لكن هذا الاعتذار لا يعفي أحدهم من الملاحقة في حال أقام أحد الضحايا دعوى ضده وأثبت للقضاء بأنه متورط في تعذيب أو تنكيل أو قتل. وقد اعتبر هذا القانون عادلا، وشكل أرضية للمصالحة الوطنية لكي تعبر البلاد عهدا جديدا خاليا من التمييز العنصري.
الحالتان السابقتان قامتا على أساس واحد هو : الندم والاعتذار عما فعلوه والتعهد بعدم تكراره، فهل قام أحد من المتورطين بالظلم والاضطهاد الذي مارسه النظام الدكتاتوري السابق، بالاعتذار من الضحايا، حتى يمكن الحديث عن عفو ومسامحة؟. ما جرى على الارض هو العكس تماما. كبار المجرمين هربوا او تواروا ليظهروا بعد ذلك إما في مجموعات مسلحة يواصلون من خلالها عمليات القتل ولكن علنا بدل أقبية السجون، أو انهم تحولوا بين عشية وأخرى الى دعاة ديمقراطية وحرية وحقوق إنسان وانخرطوا في العملية السياسية وصاروا يعطون الآخرين دروسا في الوطنية والديمقراطية وشكلوا في الوقت ذاته حاضنة سياسية للقسم الاول الذي امتهن الارهاب تحت اسم المقاومة تارة، أو الدفاع عن مكون معين تارة أخرى، فيما فضّل نفر ثالث الانزواء في العراق او في عاصمة اقليمية بعيدا عن أي نشاط .
المشكلة الاساسية ان غالبية أتباع النظام الدكتاتوري السابق، بما فيهم المنخرطون في العملية السياسية لم يذعنوا الى التغيير الذي حصل بل ظلّوا ينظرون إليه على أنه قلب لـ”معادلة حكم” وأن أعداء الامس باتوا شركاء في الحكم رغما عنهم. هل يمكن تطبيق نموذج المصالحة والعفو الذي جرى في إقليم كردستان او جنوب أفريقيا على هؤلاء؟

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*