المسألة السورية.. الحرب وما بعدها ( علي حسن الفواز

المسألة  السورية آخذة بالتعقيد وبفتح المزيد من الأزمات الإقليمية والدولية، ورغم أن الرهان الروسي بات هو الحاضر القوي في فرض حلول عقلانية، إلاّ ان بعض فرقاء الأزمة مصرّون على الذهاب نحو حلول غير عقلانية، فيها الكثير من اللبس السياسي والأمني، والإصرار على المطالبة بتنحي الرئيس الاسد كمقدمة للنظر بالمعالجات السياسية، وهو ما لا تقبله روسيا، لأنه شرط مثير للريبة أولا، ولأنه يتقاطع مع أبسط قواعد السياسة الدولية ثانيا، فضلا عن كونه يفرض واقعا معقدا في منطقة الشرق الأوسط ويُخضعها لتحالفات ومهيمنات تتعارض مع مصالح روسيا ثالثا.
لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس الأسد في موسكو كان العاصفة التي فتحت كل نوافذ الأزمة، ووضعت الجميع أمام واقعيتها، وأن اية حلول تتقاطع مع هذه الواقعية سيكون مصيرها الفشل، أو الاصطدام بالعسكرة الروسية الكبيرة في المنطقة، والدعوة الى حلول تؤكد على أحقية الشعب السوري في اختيار من يقوده، بعيدا عن لعبة الوصايا والإملاءات وفرضية القوي الإقليمي. ولعل تسرب بعض الأخبار عن رصد المخابرات الروسية لاتصالات قطرية سعودية مع تجار أسلحة في المنطقة لتوريد أسلحة نوعية لجماعات المعارضة السورية، كان كافيا للإعلان عن مواقف مُهددة لتلك الدول الواهمة بقوتها، وأن وصول مثل هذه الأسلحة لتلك الجماعات يعني  فتح جبهة الحرب على روسيا.
كما أن ما ترشح عن اللقاء الرباعي بين وزراء روسيا وأميركا وتركيا والسعودية يكشف عن هذا التقاطع، وعن طبيعة التعقيد الذي قد تشهده الأيام المقبلة، فهذا اللقاء قطع الطريق على مايسمى بـ (جنيف1) والتفكير بحلول المرحلة الانتقالية، مقابل الدعوة الى جنيف جديد وعلى أسس جديدة تأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات العسكرية على الارض، أو الدعوة لانتخابات برلمانية ورئاسية في سوريا، وهو مقترح روسي لاقى رفضا سريعا من فرقاء الأزمة ومن الجماعات المسلحة، وأحسب أن دعوة روسيا أيضا لمشاركة ما يسمى بـ (الجيش الحر) في سوريا أهدافه في الحرب ضد داعش، واجهت رفضا سريعا، وهو يكشف عن الكثير من الأوهام التي تحيط الأزمة، وعن هشاشة المعارضات السورية، وفضحها، لأن واقع الأمر يؤكد أن  الجماعات الارهابية من داعش والنصرة هي التي تمثل المحور القوي في هذه الحرب المفتوحة.
وبقطع النظر عن المواقف الأميركية التي تتهم روسيا بتعقيد الأزمة، فإن الروس يعرفون اللعبة جيدا، ويملكون الكثير من شفراتها ومفاتيحها، لأن أجهزتهم المخابراتية كشفت عن خطورة ما يجري، وأن الامر لا يتعلق بموضوع بشار الأسد أو غيره، بقدر ما يتجاوز ذلك الى تفكيك منظومة مصالح روسيا وإيران في المنطقة، وتعطيل إنشاء أي محور آخر بعيدا عن الارادة الأميركية، لا سيما في التخطيط للمرحلة القادمة، والتي تتجوهر حول ما يسمى بـ (حرب الغاز) والتي هي بالاساس حرب سرية وخطيرة ضد روسيا.
الأزمة والعناوين العائمة
تسعى السعودية جاهدة للبحث عن حلول غامضة لهذه الأزمة تناسب وجهة نظرها، وتعمل على تحشيد اكبر عدد ممكن من الدول الاقليمية لإسنادها، وللترويج لحلٍ يمنع الأسد من القيام بأي دور في مستقبل سوريا، وهذا ما تدعمه بعض الدول الاوروبية، رغم التراجع الواضح في مواقفها، لا سيما بعد تصريح وزيرة الاتحاد الاوروبي موغريني، لكن الصدّ الروسي، وحضوره العسكري والسياسي في المنطقة قطع الطريق على الكثير من هذه الممارسات المرتبكة، وهو ما قد يثير مخاوف من احتمالات تفاقم معاناة الشعب السوري، ووضع الجميع أمام خيارات صعبة.
إن وضع العناوين الخادعة حول الأزمة لن يعجّل بحلول سريعة، ولن يضع الفرقاء أمام توافق واقعي، أو حتى القبول بوجود مصالح مشتركة، لأن ما يجري على الأرض وفي الخفاء يعكس طبيعة المصالح المتقاطعة، ويعكس واقعا أمنيا تفرض شروطه جماعات ارهابية لا تؤمن بالدولة ولا بالديمقراطية ولا بالحريات والحقوق، وهذا ما تتغافل عنه أميركا وبعض الدول الأوروبية، فضلا عن السعودية وتركيا وقطر، والتي تنظر الى المسألة على وفق ما حدث في ليبيا!! وهو ما يجعل روسيا وحلفاءها في المنطقة أكثر استنفارا لمواجهة مثل هذا السيناريو، والتصدي الحازم عسكريا وسياسيا لتداعياته، وبالتالي فإنه سيضع الرهان على الخيارات العسكرية، وهو ما حدث في الواقع فعلا، فالدخول الروسي الجوي واللوجستي غيّر الكثير من معادلات الميدان، وفرض منطقا واقعيا من الصعب تجاوزه، مثلما وضع الجماعات المسلحة أمام (أوهام) مرجعياتهم التي تصطنع لهم عناوين براقة وخادعة.
الحل السياسي يمكن أن يكون العنوان الأكثر قبولا، لكنه أيضا يحتاج الى واقعية عميقة، والى وضوح، حتى لا تتحول السياسة- تحت يافطته – الى حرب أكثر بشاعة، والى صناعة ملتبسة لثنائية القوي والضعيف، وتحويل سوريا الى منطقة محاور وتحالفات، والى نقطة جذب وتهديد للدول والمصالح الأخرى، ومنها روسيا والعراق ولبنان وايران، وهو ما ينبغي تداركه والعمل على معالجة تعقيداته السياسية والأمنية، وحتى لا يتحول الملف السوري الى ملف أزمات دولية، وحروب لا يمكن للدول الصغيرة أن تواجه أعباءها وتحمل كوارثها العسكرية والسياسية والاقتصادية.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*