المثقف والوعي العام ( ناظم محمد العبيدي

في هذه المرحلة الدقيقة التي نمر بها اليوم، وأمام حرب مفتوحة مع الفساد والإرهاب اللذين يكملان بعضهما ليصنعا كل هذه الفوضى والتردي، واللذين دخلا العراق في دائرة من العنف والأزمات، يصبح لدور المثقف ضرورة مضاعفة، لأن التباس المفاهيم وشيوع انصاف الحقائق التي يراد تمريرها على الوعي العام على أنها بديهيات، يجعل من قول الحقيقة والتنبيه بشأن ما هو زائف واجباً اخلاقياً، فضلاً عن كونه سلوكاً معرفياً نبيلا، ولكن هل قام المثقف عندنا بما يتطلبه الموقف المعرفي
منه؟
لا بد هنا من النظر الى نقطتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالمثقف ذاته فليس من شأن الثقافة أن تعالج بعض التشوهات أو الخراب الذي قد يصيب الروح، وكثيراً ما نتوقف عند تجارب ملفتة لمثقفين اقترفوا أفعالاً تتناقض مع الصورة المرتسمة لما ينبغي أن يكون عليها المثقف، ربما كان لهذه الصورة ما يبررها لأن القيم الأخلاقية لا تنفصل عن اي بناء ثقافي، وكما يلح على ذلك المفكرون منذ ان بدأت الفلسفة مع سقراط الذي رأى في المعرفة نشاطاً أخلاقياً فلا يكادان ينفصلان عن بعضهما، وعد الجهل ضرباً من الشر لا يلائم الذات العارفة، وتبعه الوجوديون في العصر الحديث الذين انكروا ان يكون المثقف كائناً مجرداً، فلا معنى عندهم لمفهوم (إنسان) الا اذا أشار الى شخص بعينه.
وهكذا فنحن بإزاء حقيقة انسانية هي ان الأفراد يتصرفون ليس بدافع ثقافي مجرد عن طبائعهم الإنسانية الأخرى، ولا يمكننا أن نكون دقيقين حين نصف فعلاً مستهجناً لمثقف ما ونسقط من حساباتنا ذاتيته التي تسهم في صنع سلوكه الإجتماعي، وعندها يصبح مفهوماً كيف تخرج من بين المثقفين نماذج عجيبة تمتهن الانتهازية وربما أصبحوا من مبرري الفساد والارهاب، بل إن الثقافة تمسي عند هؤلاء وسيلة فعالة للتبرير، والتزوير.
والنقطة الثانية التي يجب النظر اليها ونحن نتحدث عن السلوك الإجتماعي للمثقف هي السياق التاريخي والاجتماعي الذي يتحرك فيه ذلك المثقف، فربما يوضع المثقف في سياق يجرده من فعاليته، أو يتهدد وجوده ويسلبه حياته، وكثيراً ما نقرأ في كتب السير وصفاً لإحدى الشخصيات بأنه جاء في غير زمنه، أو ولد في مجتمع غير واع لأهمية أفكاره، وهي أوصاف دقيقة الى حد بعيد، فاذا كان السياق الذي يجيء فيه مثقف ما يمنحه الاهتمام والتشجيع والمجد، فإن سياقا اجتماعيا آخر قد ينفيه ويحجر على منجزه الثقافي، كما حدث ويحدث في بلداننا العربية وغيرها من دول العالم
الثالث.
وفي مراجعة سريعة للأدوار التاريخية التي واجه فيها الكثير من المثقفين اوضاعاً غاية في التعقيد والخطورة، سنجد مواقف لا تختلف عما يجري عندنا مع اختلاف النسب طبعاً، فليس ثمة من دور حقيقي للمثقف حين ينفصل عن الواقع المجتمعي الذي يعيش فيه، ليس لأنه كائن اجتماعي فقط، بل لأن مهمته الإنسانية تتطلب منه أن يحمل – ولو بقدر ما – جزءا من المسؤولية التاريخية تجاه قضايا المجتمع الذي ينتمي اليه.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*