المثقف والدولة والسوق ( كريم عبد

غالبية الأدباء والمثقفين في البلاد العربية ضحايا لمفاهيم شكلية من ناحية الهيئة وسيئة من ناحية المضمون. شكلية لدرجة مفرطة،ففي ظل غياب الحرية والعدالة لم تعد ثمة حياة حقيقية وعميقة تشجع الإنسان على العمل والتواصل! ولكن من هنا أيضاً تصبح للأدب والثقافة أهمية استثنائية، لا من أجل أن نستعيض عن الحياة الواقعية بمواد خيالية هي النصوص، بل أن نجعل لهذه النصوص قيمة مؤثرة، قيمة البحث عن معنى، إذ تكمن أهميتها بأن تجعل الحياة أقل صعوبة. وكذلك يمكن للنصوص أن تواجه الطغيان وبشاعته بجمال العدالة وسطوتها، أي أن تحوّلَ الطغيان إلى فضيحة للمستفيدين منه والصامتين عنه! 

 الشاب الذي يبدأ حياته بالقراءات الشعرية وهو متأجج الروح والمشاعر، لا يجد واقعاً يستوعب تأججه هذا، ناهيك عن عدم وجود قيم نقدية تضبط إيقاعه وتوجّه مشاعره ليجد لاحقاً أن العديد من مشاهير الأدب الذين قرأ لهم وتمنى أن يكون مثلهم، يلعبون على حبال المؤسسات والقوى النافذة، ويحسبون لكل صغيرة وكبيرة ألف حساب كي تأتي النتائج مربحة أو من دون خسائر في الأقل! 
فيجدهم يتصدرون الواجهات والمهرجانات ويتقاسمون الجوائز، ويجد أيضاً إن لجان منح الجوائز تحسب لكل هذه الصغائر والفهلوات في سوق الثقافة حساباً، فيكون المتوقع أن ينال الجائزة فلان لكن النتيجة تتغير في اللحظة الأخيرة لأنهم اكتشفوا أديباً آخرَ أكثر تطابقاً مع مواصفات الجائزة، وأكثر أريحية في تمثيل الدور المطلوب ليكون العائد الإعلامي أفضل!! 
ولكنه، أي الأديب الشاب، لا ينتبه إلى كون استغراق (الأدباء الكبار) بهذه التفاصيل يؤدي إلى ربح الجوائز وحضور المهرجانات، لكنه يؤدي أيضاً إلى خسارة المرء لنفسه، أي خسارة أسئلته الخاصة وهواجسه واعتداده بذاته، فيخسر الأدبُ جوهرَهُ وقيمتَهُ. وهكذا نجد أن الكثير من الأدباء الجدد يخسرون اللعبة قبل دخول الملعب!! أي يخسرون أنفسهم قبل أن تُدرج أسماؤهم على قوائم المرشحين للجوائز لان فكرة اللعب على الحبال أغرتهم ودخلت عقولهم فخربتها. 
وربما بقي البعض معتداً بإنسانيته وقيمه لكنه أحياناً يكون ضحية لمفاهيم أخرى لا تقلّ سوءاً، فيرتد إلى الخيال المحض في الغالب، يعزز عنده هذا المنحى ابتعاده المفرط عن الواقع من جهة ومن جهة أخرى سقوطه تحت وطأة الرؤية المثالية لشخصيات الشعراء السالفين وللشعر نفسه. 
الرؤية المثالية التي تقدمها بعض الكتب المغرية التي تتحدث عن (الشاعر الذي يجلس على محور الكون … الخ) و (الشاعر ضمير الأمة) فهو يُصدّق كل ذلك ولكن دون أن يسأل نفسه مثلاً: ما المقصود بمحور الكون هذا، وأين يقع، وكيف يمكن الوصول إليه ؟! وما هو الفرق بين عصرك وبين عصر أمرىء القيس ؟! ما هو الفرق بينك وبين رامبو؟ أو بين رامبو وبين دانتي؟ أليس هؤلاء وأمثالهم وصلوا إلى قمة الإبداع رغم اختلاف عصورهم وشخصياتهم وتجاربهم الفردية ؟! ألم تكن مواقفهم ومواجهاتهم للظلم والابتذال هي القاسم المشترك في تاريخهم الشخصي، وهي التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه؟ وهل كرر أحدهم تجربة الآخر وأدواته؟ أليس المقصود بـ(محور الكون) هو جوهر التجربة الإنسانية؟! ذلك الجوهر الذي قد تجده في القضايا الكبرى، وقد تجده أحياناً في تفاصيل الحياة اليومية. المهم أن تجد (محور الكون) هذا. فمحور الكون ليس موقعاً جغرافياً بل موقف إنساني يقودك إلى المعنى، معنى أن تكون إنساناً ومعنى أن تنتمي لإنسانيتك، فالبعض ما يزال غارقاً في حيوانيته وهو يضحك معتقداً بأنه أذكى من الآخرين !! 
لم تعد هذه الحقائق تشغل الكثيرين بقدر ما تشغلهم الأرباح بغض النظر عن مصدرها أو مبرراتها أو ثمنها. وسترى كلَّ ذلك واضحاً إذا لم تكن قد خدعتَ نفسك أو كذبت على الآخرين، أو أنك لا تستطيع الصمت عن قول الحقائق التي تعرفها لأنك لا تستطيع أن تعيش جباناً، فليس من المعقول أن تكون جباناً أو شاهد زور أو مستشاراً عند طرطور ومبدع في نفس الوقت!
التناقضات التي يعيشها المثقف عندنا قد تدفعه إليها طبيعة الحياة السياسية المضطربة أو العشوائية التي نحيا في ظلالها مرغمين، لكن ذلك لا يبرر أو يسوغ الكذب على الذات وعلى الآخرين، لأن هذا يعني إننا سنكون أحد أسباب إدامة الاضطراب والعشوائية. فإذا كنتَ غير قادر على التغيير هذا لا يعني إن  عليك أن تمتهن نفسك بالضرورة.
في الغرب الرأسمالي هناك سوق للثقافة، وعملية تسويق تتم بعد أن تحقق المادة الثقافية شروطها فيحقق المثقف حريته الاقتصادية من مردودات نتاجه. ولذلك فهو قادر على امتلاك حريته الداخلية، حرية عقله وروحه ومواقفه بينما تضمن القوانين له ولسواه من المواطنين حرياتهم الفردية والعامة، وإذا كان كل ذلك يحدث ضمن طبيعة النسق الحضاري للغرب الديمقراطي، فأن هذا النسق الحضاري نفسه لم يهبط عليهم من السماء، بل دفعوا ثمنه غالياً. دفع المثقفون الأوربيون فاتورة باهظة لحرية شعوبهم، فلم يكن جان جاك روسو أو كارل ماركس أو رامبو أو غوغان أو ديستويفسكي يعيشون متنقلين بين مهرجانات الأنظمة العربية وفنادق الدرجة الأولى، بل كابدوا قسوة التجربة كي يكتشفوا المعنى والأسباب. إن ظاهرة الجنون والانتحار والتشرد بين المثقفين والمبدعين الأوربيين في العصور الوسطى واللاحقة، والتي خُصصت لها دراسات عديدة معروفة، لم تكن أسبابها فزيولوجية أو نفسية بل كانت أسباباً أخلاقية في الغالب. كان الأحساس الفادح بغياب العدالة هو الذي يقود المفكرين والمبدعين لمواجهة السلطات أو مفاهيم التخلف أو ركود المجتمعات، لذلك خلقت تلك الحقبة مفكرين ومبدعين كباراً غيروا الثقافة الإنسانية ونقلوها من أزمنة الإنحطاط والتعثر إلى عصر الأنوار. 
عندنا لا يوجد سوق للثقافة. أفضل كتاب لا يبيع أكثر من ثلاثة آلاف نسخة تذهب مردوداتها إلى جيوب دور النشر. وإذا كان العديد من المثقفين والمبدعين في البلدان العربية ارتضوا عيشاً بسيطاً من مردود وظائفهم الخاصة، فإن ظاهرة معينة تجددت في العقود الأخيرة على هيئة مثقفين أنيقين يدخنون الغليون ويُحدّثون الأشباح بمفاهيم الحداثة التي لا يفهمها الجمهور ولا أهل السلطة التي يعيش في ظلالها وعلى فتاتها أولئك المثقفون. 
ففي أروقة الدول العربية قد تجد المثقف الحداثوي الأنيق مصراَّ على أداء دور الرائد والمجدد والمقارع للتخلف وهو يعرف بأنه غارق في مستنقع الكذب والازدواجية! مستنقع الكذب على الذات وعلى الآخرين، فيتم تسويقه هو لا أفكاره أو إبداعاته التي لم يعد يهتم بها أحد، فكلما فقد المثقف حقيقته فقدت ثقافته معناها وألقها المفترض، فيصبح من مكونات الديكور الرسمي والثقافة الرسمية.
في الغرب يوجد سعر للكتاب ومواطنون يحتاجونه فيشترونه، عندنا توجد سوق للمثقفين وتسعيرة لكل مثقف وفنادق خمس نجوم لهم جميعاً كي يتعارفوا ويطري بعضهم بعضاً، لذلك تكرّسَ الانحطاط رسمياً وأصبح ثقافة عامة !!   
لنعود إلى موضوعنا ونطرح السؤال بطريقة أخرى، هل يمكن أن يكون المثقف معروضاً للبيع أو مباعاً، أو خائفاً من حقائق الحياة ومغشوش الضمير ويمكن أن يُنتج لغة أدبية أو نقدية جديدة، حقيقية ومؤثرة ؟! 
عندما يحترق بلدك وأنت متراجع الروح ومنزوٍ، أو ناشط في البحث عن ممولين لنشر الأكاذيب، كيف بوسعك أن تواجه بياض الأوراق وشرار الكلمات، كيف يمكن أن تتجدد لغتك ؟! في أي عالم وأي خيال ؟! ومن خلال أي موقف ؟! كيف يمكن أن تملك لغة خاصة والورقة والزمن والأشياء ملطخة بدماء الناس والكلمات مختنقة بصراخهم ؟! ثم أية ثقافة هذه التي تريد من خلالها تغييب المواقف الواضحة لتحل محلها (النوايا الحسنة)! هل هذه نوايا حسنة أم مواقف مغشوشة ؟!
أننا لسنا بصدد إدانة شخص بذاته، فهذا ليس مهماً هنا، وللحياة قوانينها على كل حال، والواقع أن البعض لم يعد مهتماً أساساً حتى بأن يُدانَ بقدر اهتمامه بالدرهم والدينار! لا نتحدث عن شخص معين، ولو كانت مسألة أشخاص لهانت، إنما عن ظاهرة بدأت تتكرس بالتدريج، ويبدو أنها بحاجة إلى رواد، رواد يريدون أن يتذاكوا علينا قبل أن تتبدد الفرصة وتضيع من بين أيديهم! لكن وفي جميع الأحوال، ليس بوسعنا الصمت حين نرى العراق يحترق بينما هناك من يريد أن يزيف حقائق الصراع ليعمم علينا ثقافته المغشوشة! ليس بوسعنا الصمت لأن الحياة نفسها ستسخر منا ومن وجودنا برمته، فالكلام هنا هو دفاع عن ثقافتنا وقيمها الحضارية والأخلاقية، دفاع عن مشاعرنا ومصالحنا ومستقبل بلادنا.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*