القيم الجمالية في الامثال الشعبية الفلسطينية / بقلم : د . سامي الزيدي

المثل الشعبي : هو تجربة او موقف ضخم يختزل في جملة قصيرة يحمل قيمة او حكمة لموقف قد يتكرر في زمن مختلف . وكذلك يمكن القول ان المثل الشعبي هو قيم او حكم تتوارثها الشعوب جيل عن جيل يعطي ـ رغم اختزاله ـ تصورات واضحة عن ادبيات الشعوب وعاداتها وطباعها واخلاقياتها . فهو يشكل بعض معتقدات الشعوب المتناقلة شفهيا عبر مراحل الزمن ، هو انعكاس لثقافة ووجدان الشعوب ، لذا نجد اغلب الشعوب تحتفظ بأدبها الشعبي لأنه جزء من تجربتها الحية ، وموروثها الانساني . ان شفاهية تنقل المثل الشعبي بين الناس وسهولة حفظه ، ساعد في تشكيل انماط من الاتجاهات الاجتماعية ، وتحوليها الى انماط مقبولة ، لأنها ارث اجتماعي ، يحمل في مبانيه تجارب اجتماعية معمقة ، ليس سهلا التخلي عنها ، او تغيرها ، والمثل الشعبي حاله حال الآداب الشعبية يقبل السيرورة ، ويخضع في كثير من صوره الى التماهي مع الامثال الشعبية عند شعوب العالم الاخرى ، لا سيما التي توجد بينها مقاربات في احوالها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية والاخلاقية . لا يمكن تحديد تاريخ معين للمثل الشعبي ، اذ ان الانسان استخدم المثل للتعبير عن مواقفه ، وان المواقف بدأت مع وضع الانسان قدمه على الارض ، هذه المواقف ذاتها كانت تشكيل لقيم وعادات الانسان واخلاقه ، لذا لخص مواقفه ورمزها لتسهل على ذاكرته حفظها واسترجاعها عند تكرار الموقف وان اختلف الزمن ، وتغيرت المؤثرات الا ان المواقف قد تتشابه في مضامينها وتختلف في اشكالها وظروفها . وليس بالضرورة ان تستمر الامثال التي تطرح في معالجاتها للواقع ، فقد تختفي الكثير منها وتحذفها الذاكرة ، لعدم توفر عامل التكرار الذي يحفظ استمرارها وابقها في دائرة التداول والتعامل ، والذي يستمر منها ما هو منسجما مع مواقف الناس حيث تعيده الذاكرة مع تعرضها لهزات المواقف وتحدياتها . وقد يحمل المثل حلولا ايجابية للكثير من هذه التحديات ويدعو الى تجاوزها والاستمرار في السير متخطيا المرحلة دون توقف ، ومنها ما هو سلبي يدعو الى التقاعس والتراجع واقفال ابواب التفكير والياس من الحلول لان الكثير ممن جربوا فشلوا ، هذا وذلك كلها تجارب اجتماعية حية عاشها الناس وخلصوا منها الى هذا التقييم بفرعيه الايجابي والسلبي ، وهو صورتان لواقع واحد تتصارع فيه قوتان ، قوة الاصرار والعزيمة ، وقوة الضعف والهزيمة ، المورث يحمل لنا الصورتين معا ، وهنا يأتي دور الثقافة في التعامل مع المثل في تكوين القيم والاعتقادات ، وكيفية التعامل معهما تعاملا ايجابيا ، ولاستفادة من الايجابي في تكون قيم ايجابية ومعتقدات صحيحة ، والتنبيه الى السلبي منها وتصحيح مساراته وتجاوزه ومحاولة تخطيه ، او حذفه من ذاكرة النشأ واستبداله بغيره في تكوين الاتجاهات الصحيحة النافعة . القيم الجمالية هي واحدة من تلك القيم التي تكونت عبر الموروث الشعبي ، والذي احدها المثل ، فهو ينقل لنا الرؤية الجمالية للشعوب ، ونظرتهم للجمال والكيفية التي يعبرون بها عن الجمال ، فلكل شعب من الشعوب نظرة تنسجم احيانا مع غيره من شعوب الارض ، وتغايرها في احيانا اخرى ، ولعل مرد ذلك الى الطبيعة والظروف والمناخات التي تشكل محددات للنظرة الجمالية للشعوب ، فقد تكون الشمس تشكل صورة جمالية عند شعب من الشعوب تعبر عنها في رؤية الوجه الجميل ، اذا كان ذلك الشعب يرى الشمس على انها عطاء مستمر يتدفق على الارض ، مع حرمان ذلك الشعب من حرارة الشمس لأوقات من السنة مثلا ، وقد نجد الشمس عند شعوب اخرى تشكل مصدر ازعاج لشدة حرارتها واستمرارها عبر السنة ، لذا يتحول القمر الى صورة الجمال لان الليل مبعث الراحة والاعتدال … وهكذا . هذا يدعونا الى القول ان النظرة الى الجمال تختلف من شعب الى اخر ومن انسان الى غيره ، فالنظرة الى الجمال نظرة نسبية ، ومفهوم الجمال يتحدد بموقف شخصي فالجميل عند احدهم ليس بالضرورة جميل عند غيره ، كما لا يمكن تحديد مفهوم ثابت للجمال ، لأنه متغير يحدده موقف الشخص ونظرته لمشهد يعتقده جمالي تفاعل معه وجدانيا ، فاهتز وطرب له وحرك مشاعره ، فغلب على شعوره فتصرف حياله بوجدانية عالية . فاللون يبعث احيانا ارتياحا للنفس يسمى جميلا ، ولعل اعتياد الناس على شكل او مظهر معين يفقده جماله فالمنظر الجميل في يوم من الايام لا يستمر جميل في نظر الذي يعتاد النظر اليه ، وكلما افتقد الانسان مشاهد ، مال الى مشاهداتها واعجب بها واظهر حيالها انجذابا ، حتى تمل العين مشاهدتها فتتحول الى الاعتيادية التي لا تبعث بالسرور الى رائيها . لذا يمكن تحديد نقطة مهمة يمكننا الانطلاق من خلالها الى تفسير المفهوم الجمالي في المثل الشعبي بشكل عام ، والفلسطيني بشكل خاص ، وهي ان القيم الجمالية في الامثال حددها الذوق الانساني ، والذي يختلف من شخص الى اخر ويختلف من زمن الى غيره ، فواضع المثل مقيد بتصوراته واعتقاداته وثقافاته واخلاقياته ، هذه المحددات جميعها تشكل مضمونا مهما في المفهوم المراد توصيله الى المتلقي بصورة مباشرة او غير مباشرة ، ثم يتناقل المثل بين الناس ليكون مفهوما عاما ، تتشارك فيه الذاكرة الجمعية لتحولها الى اعتقاد اجتماعي عام . المثل الشعبي صورة انعكاسية لواقع سابق وثقافية ماضية حفرت وجودها في الذاكرة وتناقلت بقصد او دونه ، لتسكن واقع مع غرابته عنها ، الا انها استطاعت ان تكون جزء من الحلول المقترحة لمشاكله كونها تجربة سابقه اختزلت في وعاء لغوي متناغم مع الايقاع اللغوي لذلك الزمان ، فالرؤية الجمالية التي يعكسها المثل هي رؤية سابقة ، وليدة مجتمع وظرف وثقافة ، قد تتقارب مع المجتمع الجديد في بعض جوانبه ، وقد تبتعد ، لكنها في الامرين ، واقعة في التأسيس القيمي لثقافة الجمال ، فالثقافة لا يمكن ان تكون منعزلة عن نتاج سابق ، اذا انها نشاط متطورا من عادات وقيم واتجاهات وعقائد واخلاقيات ، سابقة انتجتها اجيال سابقه وحملتها الذاكرة قولا وسلوكا . الجمال الانساني نوعين جمال الهيئة الظاهري ، والجمال الباطني ، كلاهما يتماشيان معا لخلق جمالية انسانية تتفاعل مع محيطها لتنتج فعلا وجوديا انسانيا ينعكس بدوره ايجابا على المجتمع . المثل لم يهتم كثيرا بإظهار الجانبين معا ولم يستطيع تحديد الصورة الجمالية المتفق عليها لتحديد الجمال ، فقد ظل الابيض والاسمر ، من موحيات الجمال كل يراه بعينه ويرسم له لوحة بحسب اهتزاز الوجدان للسمار والبياض ، واحيانا نرى الاثنين لا يعنين شيئا ابدا لثالث يريد ان يحدد الجمال ويلتقط له صورة بعينه ، فيرى الجمال روحي ، التصاق بين الضدين فالمفقود عند شخص جميل عنده ان شعر به من مكملاته ، هذا الالتزام الروحي للمفقود يشكل جانب من جوانب تكوين التصور الجمالي لدى الكثير . المثل الفلسطيني لم يغادر ساحة التكوين هذه فكان جزء من عناصرها ومكونيها ، اذ نجد المثل الفلسطيني ثقيل بحمولته القيمية وثقافته واخلاقه وجوانبه التربوية ، عالج الكثير من هموم ومشاكل المجتمع ووضع الكثير من الحلول ، وكان بحق صورة انعكاسية للواقع الفلسطيني عبر مراحله وتطلعاته للحياة ، حمل مفاهيم وقيم اسست لثقافة الاجيال اللاحقة فكان جزء مهما في تكوين الجوانب الحضارية في المجتمع الفلسطيني ، حفظته الذاكرة وتناقلته عبر اجيالها ، منظارا تتطلع خلاله الى رسم صورة للحياة وللجمال . لم يكن المثل ايجابيا في كل تفاصيله وتأسيساته ومبانيه ، لكنه كان ارثا حضاريا رغم شفاهيته لم تتخلى عنه الذاكرة ، لأنه التصق بروحية الواقع وعمل على تدعيم وجوده من خلال الية الطرح التي استخدمها ، وهي اختزال الفكرة ، وقصر الجملة ، وسجع اللغة في بعض الاحيان ، هذه الامور شكلت عامل مهم في ادامة المثل واستمرار وجوده ، وحشدت الكثير من العوام على تداوله ، لسهولته اولا ، ولضيق حدود مساحة الثقافة من تكوين اتجاهات اعلى قيمة من الامثال . طرح المثل الشعبي الفلسطيني القيم الجمالية كإحدى اهم جوانب اطروحته الاجتماعية ، واعطى مفهوما للجمال رغم تناقضاته في ترسيم حدود الجمال الا انه لا يخلو من انجاز فني انساني ، هذا المفهوم اطر اللوحة الجمالية باطار وجداني حمل جوانب قيمية تصلح في بعض ملامحها ان تكون صورة ايجابية حية لو جهت بآليات تربوية تتناسب والمرحلة الزمنية التي تعيشها الشعوب ، وما طرأ عليها من صيرورة قيمية في الكثير من جوانب الحياة ، فالتشذيب في العادات والاعتقادات وتغيير بعضها والتأكيد على الجيد منها ديدن المجتمعات الحضارية ، ومسعى مثقفيها ومفكريها . المثل الشعبي الفلسطيني يرسم لنا لوحة الجمال عبر آلياته التي اعتمدها ليصور لنا الجمال مفهوما قيميا ، لا يعتمد الشكل مضمونا له انما يتعامل مع المعاني كسمة عليا في الحكم على الجميل ويؤكد حقيقة لا يختلف عليها اثنين ان السماحة تجمل الشكل الانساني وتؤطره بالمقبولية فليس البياض والسمار والوان الطيف قادرة على طبع لون جميل على واجهة الانسان الخارجة الى محيط التفاعل الوجودي ، والسماحة : الجود كما عرفها اللغويين ، فالجود عطاء انساني لا يقف عند حدود معينه فضفاض يتمدد مع المحاسن البشرية والاحكام الايجابية ، من مصاديقه البشاشة ، فهي جود عالي القيمة ، وحبل متين في التواصل ، لذا نجد المثل الفلسطيني يحكم الجمال بهذا المفهوم منطلقا من هذا المعنى الاكثر تأصل في حياة العرب فيقول (الوجه السمح فيه الربح ) ومع ان المثل يحمل مضامين الربحية التي لا تتوافق مع الحس الوجداني الانساني كونها مبنية على قيم المادة التي تسمو عليها مبتنيات الروح ، الا انه اراد ان يرمز لنقيض الربح وهو الخسارة كون الاختيار غير الصائب يؤدي الى الخسارة ، فاختيار السمح في كل الامور ربحا كونه يحمل صورة جمالية تتجسد فيها المعاني الانسانية . على الرغم من ان الجمال الظاهري حقيقة لا تنكر الا ان ذلك قد يصدق مع الطبيعة ومناظرها ، ويبدأ بالاختفاء كلما اقتربنا من توصيف الانسان ، لأنه يمتلك حقيقتين الاولى ظاهره وقد لا تكون الا حقيقة مزيفة في الكثير من صورها لأنها لا تعط تفسيرا حقيقيا عن جمال الانسان ، والثانية حقيقة باطنه تحمل المعاني الكبرى من الحب والجمال ، ونقيضها من الكراهية والقبح ، وهذه الحقيقة لا يمكن اكتشافها برؤية ظاهرية لشكل قابل للتغير عندما تطرأ عليه ظروف ومتغيرات تحوله الى شكل غير مقبول ، فالباطن بمعانيه ومتبنياته وقدرته على التأثير يكون صورة يتفاعل معها المحيط بمكوناته ليحكم عليها جميلة ، او يرتد عنها ليحكم عليها قبيحة . فاذا كان الجمال الظاهري يخضع للمتغيرات فان الجمال الباطني لا يتغير كونه يعتمد الاصالة في وجوده ( الزين ما يهرم) فلا يمكن بحال من الاحوال ان تشكل الصورة الظاهرية حقيقة الانسان وان جملته لمدة ، فسرعان ما يعلن الباطن عن مكنوناته ويفضح الخافي من صورته ، فتنسحب عنه العيون ويتكاسل اليه الوجدان (اللي ما بتزينه عروقه ما بتزينه خروقه ) فمهما سعى الانسان الى تجميل مظهره يظل بحاجة الى تجميل باطنه وزع قيم المحبة والجمال والتسامح وتقبل الاخرين كمعاني تسمو على أطر الظاهر المتبدية للناظر وقتا ، والمختفية اصلا . العقل زينة هكذا رآها المثل متماهيا مع غيره من الامثال عند اغلب الشعوب ، ويظل العقل زينة لان له القدرة على خلق صور الجمال الجواني للإنسان ، وتحويل صوره المتوحشة الى صور تتأنسن مع محيطها الانساني ، تتحيز للجمال ، وتسمو على القبح ( العقل بالراس زينة واللي عدمته حزينة ) مهما بلغ الجمال الظاهري درجة المقبولية ، فيظل العقل الناقص يشكل خسارة لا تعوض ، وحزنا لا يتوقف عند فاقده . لم يتركنا المثل الشعبي الفلسطيني هكذا دون ان يحدد لنا آليات الحكم ومعرفة الجمال ، اذ ان الحركة والسكون لهما فعلهما في قياس الاشياء ، فالثابت غير المتحرك ولكل منهما وضعه ومقاييسه على مستوى الجمال ، كما ان السكوت والكلام لهما مقاييسهما على الانسان ، فالساكت غير المتحدث ، اذ يفتضح الانسان بالحديث ، ويختفي خلف سكوته ، ولكل منهما مقياسه ، فالعاقل ، لا يفهم الا من حديثه وسلوكه ، والجاهل حتما كذلك ، وبما ان العقل زينة فلا يمكن ان نتبين دون محادثة العاقل وتمييزه من الجاهل ( ان وقفت بتبين وإن نطقت بتزين ) . ثم ينتبه المثل الفلسطيني الى رؤية جمالية نادرة ليضعها في تقيمه الجمالي اذ يعتبر العمل والانجاز الفعلي على مستوى الحياة انجازا جماليا فالعامل المخلص جميل والمرأة جميلة بأدائها للعمل وانجازه دون ملل لذا جعل عمل المرأة جمال لها وليس ما يبدو من جمال خدودها ( اللي ما بتزينها زنودها ما بتزينها خدودها ) ومع ان هذا المثل يقسو كثيرا على المرأة اذ ينظر اليها عاملة ووسيلة من وسائل الانتاج فزندها القوي الذي تستخدمه في العمل وانجاز الاعمال الشاقة هو صفة الجمال لديها ، ويبدو ان البيئة والمرحلة التي قيل فيها المثل كان يتطلب ايجاد نساء بهذه القوة ، تعمل في المنزل والحقل حالها في ذلك حال الرجل وتزيد على ذلك لذا نجد المثل يضع تشجيعا للمرأة ان تبرز جمالها بعملها لحاجة الرجل آنذاك الى هكذا امرأة ( بكرة بتيجي الحصيدة وبتشوف فعلتها ) . وتختفي خلف المثل صور كثيرة تحتاج الى توضيح ، فهو يعني ان الفعل الحقيقي ليس فقط في الكلام والتنظير انما هو اثبات فعلي عندما يتطلب الموقف ذلك ، فعند الحصاد تتضح قدرة الفعل على الانجاز ، وتظهر امكانيات الحاصد في حصاد محصوله ، فالمثل اراد ان يلقي بمفهوم قيمي عالي يحدد من خلاله ان قول الانسان لابد ان يترجم الى فعل كي يظل قولا جماليا ، والا سوف يتحول الى قبح عندما يتكاسل الفعل ولا يؤدي انجازا بمستوى الكلام . لم يتجاهل المثل قدرة المرأة وشخصيتها في مواجهة تحديات الحياة فالمرأة ذات الشخصية المتميزة التي تمتلك قدرات هائلة على المواجهة والتحدي لا يخشى عليها شيء كونها قادرة على الولوج في عالم الرجال ومواجهة ذلك العالم الذي اعتبر في ثقافتهم عالم يصعب الدخول فيه ومواجهته ، سيما ومجتمع ذلك الزمن مجتمعا ذكوري ، لا يتقبل التحدي الانثوي ، فمن تمتلك تلك الثقة بالنفس فهي من تتميز بالجمال ، ولها الحظوة والاحترام ( البنت الزين بتمشي من بين صفين ) . لقد حمل هذا المثل قيم تربوية عالية فضلا عن قيم الجمال التي ذكرنا، فهو يدعو الناس الى تربية بناتها على الثقة في النفس لمواجهة تحديات الحياة وان لا تظل الفتاة رهينة الثقافة التقليدية التي تحرم على المرأة الظهور والمواجهة ، فهي ناقصة العقل في منظورهم ، لذا تظل عورة يتطلب اخفاءها ، ومعدومة الثقة ضعيفة خجولة ، تنفذ ما يقال لها ، دون ان تتعب نفسها في التفكير ، فالمثل يدعونا الى قراءته من جوانب اخرى لنكتشف فيه قيم اخرى حرية بالظهور والتداول والممارسة . حث المثل الشعبي الفلسطيني على الاصلة كقيمة جمالية ودعا من يريد الارتباط بالمرأة ان يرتبط بالأصيلة ، واعتبرها معيارا للاختيار الافضل من بين الخيارات المطروحة على الرجل ، متجاوزا الكثير من المعايير الاخرى في الاختيار ، وقد ربط ذلك برابط مهم في الاختيار وهو الغنى والفقر ، فاذا وجدت الاصيلة تم اختيارها وان صاحب ذلك فقرا ، فهي ثرية بأصالتها ولها القدرة على التعويض عن ذلك العامل المهم ، كما ان الاصيلة يمكن ان تكون صبورة وتتحمل معك مشاق الحياة ولا يمكن ان تخون او تغدر او تتخلى عن رفيقها ، فالفقر والغنى لا يشكلان لديها عامل اختيار انما اصالتها تحتم عليها الوفاء ، لذا اعتبر الاصالة قيمة جمالية يمكن ان تحدد اختيار الاجمل للمشاركة والتآلف ، كذلك نبه المثل الى حقيقة مهمة ، ان اختيار المرأة لا يتم على اساس ثراءها وجمالها الظاهر انما يتم على اساس اصالتها التي لا تخضع للتبدلات والتغيرات التي تطرأ على سلوك غير الاصيلة ( خذ الأصيلة لو كانت على الحصيرة ) وعليه يمكن القول ان الامثال تعاملت مع الطبائع على انها صور جمالية مهمة لا يمكن تجاوزها فصاحبة الطبع الجيد صاحبة مذهب جيد ، يزينها ذلك المذهب ويجعلها مميزة عن قريناتها ، والزينة في عرف المثل الطبع الذي لا يصدأ والروح والمعاني التي تسمو على الشكل والمادة الخاضعة للصدأ ( زينة المرأة بمذهبها مش ذهبها ) . لابد هنا ان ننبه الى ان اغلب الامثال التي قيلت في الماضي امثال ذكورية تتسيد فيها شخصية الرجل على المرأة ولذا تكون المرأة في دائرة المختار ، لا صاحبة الاختيار ، وهذا يجعل الامثال تتجه صوب المرأة اكثر من اتجاهها صوب الرجل ، فالرجل من يختار الجميلة والمرأة ، ليس لها الحق في اختيار الجميل ، ولذا لا نجد الامثال تركز على جمال الرجل ، وتعتبر الرجل برجولته فالمرأة عليها ان تقبل القبيح والجميل ، ان تم اختيارها من قبل احدهم . مع ان البياض والسمار صور جمالية ظاهرة يمكن ملامستها والاحساس بها بمجرد الرؤية العينية ولا يتطلب جهدا للكشف عنها ، لكنها تظل في دائرة النسبية ، واختيارها تحدده معايير شخصية يخضع لها الشخص بمفردة ، وبما ان المثل قيل من قبل شخص اختزل تجربته فيه ، فليس بالضرورة ان يكون شرطا صحيحا في اختيار صاحب الجمال ، ولا يعط تصورا عن مفهوم الجمال ، وليس بالضرورة ايضا ان يكون قيمة جمالية ، لكنه لا يخلو من حسه الجمالي ، وصورته الفنية . لم يغفل المثل الشعبي الفلسطيني الجمال الظاهري وتعامل معه حقيقة قائمة بذاته ، لذا نظر الى الابيض تارة جميل ، والى الاسمر الاجمل تارة اخرى (اللي بده الملاح يبيع السلاح ) والملاح البياض فهو يركز على ان الذي يرغب بصاحب البياض ان يبيع سلاحه ، لغلاته ، ولعل اخر ما يفكر فيه الناس آنذاك بيع السلاح ، لكن عشق البياض ومشاركته الحياة تتطلب ذلك ، وليس بالخسارة ، لان ما حصل عليه اغلى ثمنا فخسارة الغالي وربح الاغلى ليس مدعاة للندم . ثم ان المثل يستعير تمثيلاته من داخل المحيط المتكون حوله في وصف الجمال فعندما يريد توصيف الابيض يبحث عن مادة يكون الابيض فيها اكثر بروزا وهكذا مع اللون الذي يريد ان يشهره كلون جمالي ، فعندما يصف البياض يلتقط له تصويرا من الشاش الابيض لنصاعة بياضه ولأنه يحفظ في مكان نظيف ولذا يحتفظ بلونه البراق فيستعيره المثل لبساطته واقرب للحس العامي فيقول (البياض بياض الشاش قمر على المخدة ) ولا ينسى ان يخلطه بمثبتاته النورية فيلجأ الى استعارة القمر صاحب النور الليلي ليضعه على المخدة ( القمر/المخدة ) اقتران جميل لأنه اراد ان يصف الحبيبة ليلا ليجعل نورها قمريا استعارة لبياض القمر ، ويرمز للبياض عبر التصويريات التي جمعها لتكون مقاربات جمالية منسجمة مع بعضها ( وجهك والا ضو القمر ) لقد شكل القمر عند واضع المثل الشعبي صورة جمالية عالية القيمة ، فضوء القمر المنبعث ليلا والذي يضيء الظلمة الباهتة ، فيهتدي به الناس ، صار ملهما للشعراء والعشاق الذين يصورون صور حبيباتهم في القمر وبما انه الوحيد الذي يراه الناس بعد افول ضوء الشمس في السماء ويفتقدونه في الليلة الظلماء ، صار بياضه قيمة جمالية يستمد المثل منه استعاراته ، ليصف الوجه الابيض قمرا ينير الظلمة ، فيهتز له الوجدان وتطرب لرؤيته النفس ( وجهك زي قمر 14) ولم يكتف ان جعله قمرا ، انما حدده بقمر (ليلة ل 14) عندما يكون القمر بدرا مكتمل الضياء ويكون نوره اكثر سطوعا واكثر بياضا . ثم يتدرج بذلك التوصيف حتى يصل ان يجعل الابيض الحبيب اجمل من القمر نفسه اذا يطلب من القمر مغادرة موقعه واستبداله بحبيبه الاكثر بياضا وجمالا اذا بوجوده انتفت حاجته الى القمر( بتقول للقمر قوم تأقعد مكانك ) وهذا ادق انواع الوصف للأبيض ، فالبياض شكل قيمة جمالية في المثل الشعبي الفلسطيني حتى ان البيضاء لا نجد ما يعيبها وان كانت مجنونة ( خذ البيضة ولو أنها مجنونة ) وهذا غلو كبير في الوصف وافراط في التمييز اذا توقف عند البياض وحصر الجمال فيه ، متناسيا اذواق الناس واحاسيسهم فلكل نظرته الجمالية ولا يمكن التعميم في ذلك ، والذي يبدو لنا وكما قلنا سابقا ، ان المثل وضعه شخص يعبر فيه عن مكنونه وتصوراته للحياة وايمانه بما يعتقد ، والنظرة الجمالية تختلف من انسان الى اخر لذا لا يمكن ان نعمم عليها ، هذا اولا ، وثانيا : بما ان المثل مختزل في الكلام والمعنى لذا هو ليس خطابا او قصة او مقال ، انما هو تجربة ، لذا كثيرا ما يأتي يحمل معنى واحد يطرح فكرته ويترك للناس ربطه بثقافة وعادات المجتمع ، فقيم الجمال الاولى التي آمن بها المثل الفلسطيني ، لن يتخلى عنها مطلقا ، فالأصالة وانجاز العمل والعقل وغيرها من كبيرات المعاني وهي اعمدة واساسات لمباني القيم الجمال عند الفلسطيني . المثل الفلسطيني لم يتمسك بالبياض الى حد يعدم معه الصور الجمالية الاخرى ، بل ساير الذوق الانساني وتحسس رؤيته ، وتراجع قليلا مستدركا ان ليس كل ابيض ممكن ان يكون جميل ، ولا كل اسمر قبيح ، (مش كل بيضة شحمة ولا كل سمرة فحمة ) فليس هناك مقياسا محددا . عاد ليضع محددات ضمنية غير ظاهرة لكنه سبق ان اشار اليها حتى بدت واضحة يمكن ان تكون مقياسا لرؤية جمالية في الاختيار ، فالسمار بما يحمله من معاني باطنية ممكن ان يكون قيمة جمالية عالية ،لا يمكن التفريط فيها ، عندما تتشابك الارواح تنتج فعلا وجدانيا يتغلل في اعماق المعنى ليطرح مفهوما عميقا لرؤية جمالية تسمو على التسطيح الرؤيوي لمفهوم الجمال (حب حبيبك ولو كان عبد اسمر ) . هنا تكون المعادلة واضحة (مش كل بيضة شحمة / ولا كل سمرة فحمة / حب حبيبك / ولو كان عبد اسمر) قد تكون هذه الامثال قيلت في مناسبات مختلفة ، وفي ازمان متعاقبة الا اننا عندما نضعها في سياق واحد نجد انها تعطي تصورا واضحا للجمال وكأن واضعها شخص واحد ، ويبدو لي ان الذي يضع المثل لا يستطيع ان ينفلت من منظومة القيم الكلية في المجتمع فهو اسير تلك القيم يسايرها لأنها جزء من عوامل تشكيل قيمه واعتقاداته وتأسيسات ثقافته الاولى . لا يظل المثل الفلسطيني هائما بالمعاني الفضفاضة ، في تكوين رؤية للجمال تصلح ان تكون قيمة جمالية ، لكنه في احيانا كثيرة يجزأ المعاني ليركب منها صورا جديدة فيتحول من الابيض الكل والاسمر الشامل الى فرعيات يجعلها مزية جمالية ، فيجعل العينين معيارا جماليا ، ولعل كبر العين وصغرها ممكن ان يكون لدى الانسان الرائي صورة جمالية لذا امتلكت العين سحر عجيب ومؤثر على الناظر اليها ، فالذي يرى الجمال في العيون تجده ينتبه الى العينين كي يحدد جمال شخص ما ، فان وجد العينين واسعتان قال عنه جميل ، وان صغرت عيناه اخرجه من محيط الجمال ، كذلك لون العينين لهما سحرهما في معايير الجمال (ما زين الا زين العينين ) . لم يكتف واضع المثل بهذه الصورة بل وجد نفسه بحاجة الى ان يأطرها بإطارها الطبيعي ، حيث اضاف للعين حاجبها ليرسمها بأبهى الصور وكون العين لا يمكن لها ان تكون في عزلة عن الحاجب لذا رسمهم معا فقال : ( زينة الزين الحاجب والعين ). دأب المثل الفلسطيني في السعي الى ايجاد منفذ ينفذ من خلاله الى الحس الانساني ليغازل الطبيعة الانسانية وفطرتها وما حملته من معاني الحب والجمال في وعيها الاول قبل اختلاطها بمشوهات الصورة وابتعادها عن مكوناتها الجمالية . فقد حرص على ايجاد التناسق بين ما جادت به البيئة عليه من الوان وبين الطبيعة الانسانية ولون بشرته فقد يؤدي الانحراف عن سير التناسق ما بين اللون الذي يرتديه الانسان ولون بشرته الى النشاز وعدم التطابق ، والذي يخلق نظرة مضطربة مزعجة للرائي لا يستطيع ان يكون من خلالها صورة جمالية ، فتتحول الى صورة باهته ميالة للقبح اكثر منها للجمال ( لبس الاسمر أحمر واضحك عليه ) لا يتحيز المثل الى احد اطراف المشكلة ، لكنك عندما تخلق تشويها واضحا لا يمكن للفطرة ان تقبله ، لأنها في تكوينها الاول تعلمت النظام والتناسق وخزنت في ذاكرتها الاولى التطابق الصوري ما بين الالوان ، لذا شكلت هذه الابعاد الجمالية التطابقية صور جمالية استوعبها الوعي المجتمعي وتحولت بالتناقل الى قيم جمالية . القيم الجمالية التي ركز المثل جهده في اظهارها ، لم تكن خارج الوعي الجمعي ، انما كانت جزء مهما في تكويناته ، لذا نجد الارتباط واضحا بين الصور الجمالية الانسانية والطبيعة بصورها المنتمية للجمال ، علاقة متشابكة لا تنفك تتساير معا لتوثق المعاني الجمالية التي ينسرب اليها الوعي متخطيا تزاحم الصور المتشكلة في الواقع المحيط . الفلسطيني لم يغادر الشكل في رسم لوحة الجمال ، رغم تشكيلات الصور الكبرى في وعيه ، الا ان الشكل ظل مهما يأطر رسوماته الجمالية ، فنظر الى الخدود الحمر صورة جمالية استوعبها وجدانيا ، واستعار لها من الطبيعة ما يحاكيها شكلا ، ويتشابك معها ويمازجها لونا ، فحمرة الخدين دلالة جمالية في المثل الفلسطيني ، لذا بحث عن الحمرة فوجد مقارباتها في التفاح والرمان ولان الرمان ينفلق حمرة وان حمرته في حباته فقد كان دقيقا في الاستعارة ( خدود زي حب الرمان ) ثم لم يكتف بان جعل الوصف في الخدين متشابك مع التفاح ، بل خصص التفاح بتفاح الشام ، لان مزيته الاحمرار (خدودها زي تفاح الشام ) المثل دقيقا في طرح معاني الجمال وتصويراته لا تخرج عن حدود التناغم الحسي العام للمجتمع فهي وليدة الثقافة والوعي الجمعي السائد في البيئة المولدة للمثل ، لا تتخطى المحذورات والممنوعات بل تخضع بقسرية الا وعي للمفاهيم والتصورات العامة فيظل الاحمر حاله حال البياض والسمار يشكل لوحة جمالية تخضع لأمزجة البعض ، يتحيز لها في رسم صوره ويضعها في ميزان الاختيار ويميل بلسانه اليها (خدودها حمر مرمزات ) ثم ينتفض بالدفاع عن صورته التي رسمها واستوعبها واهتز لها وجدانه بوجه المنتقدين ليرد انتقادهم الذي هو ذاته اضافة جمالية وليس عيبا يسقطه خارج دائرة الجمال ( ما لقوا عيب في التفاح قالوا له أحمر الخدين ) ثم يستمر الاحمر مقياسا جماليا يتبارى به المتخاصمين ، فمن لا يملك الخدود الحمر ليس صاحب افضلية على غيرة لأنه ليس في معيار الجمال كي يصاب بالغرور (لا أنت أحمر مني خد ولا أحسن مني جد ) . ان التحول من الكل الى الجزء في التصوير الفني للجمال في المثل ، لم يأتي من فراغ انما خضع لمؤثرات وموحيات امتلكها الجزء ، كقوة جذب ساحرة وملتهبة ، اخضعت وجدان الموحى اليه الى الاهتزاز وجذبته ليقف عند ذلك الجزء فيرسم من خلاله صورة جمالية تتشكل مؤطرة بفيضها وتجلياتها الشكل العام . ولذا شكل الفم بمقاساته لوحة جمالية (فمها خاتم سليمان ) ثم اعتبر طول العنق الذي رمز له باستعارة عنق الغزال ليرسم منه لوحة جمالية اخرى ولان الغزال في الثقافة الغالبة جميل بماله من عنق طويل يجمله (بدلوا غزلانها بقرودها ) وهو مثل يقال عندما تقلب المفاهيم ويتبدل الجمال بالقبح ويسود غير الصحيح في مكانه ، لذا كان استعارة مقتنصة من المثل لتوصيف الجمال (عنقها زي عنق الغزال ) ثم يظل العنق يشكل جمال ليس في الطول فقط انما يضاف اليه بياضه الشفاف الذي يرى منه الماء (بتشوف الميه من رقبته ) . لا يغرق المثل الفلسطيني بالشكل انما يتسلق الظاهر الى لب المعاني ليقرأ علينا ملخصا مبدعا تتشابك فيه القيم التربوية بالجمال تتمدد مع مساحة الوجود الواعي ، في ترنيمة يتغنى لها طربا الوجدان الحي ، فالذهب لقيمته يخفى كي لا يكون عرضة للعبث ، اما التراب فلوضاعته تدوسه الاقدام ، هذه المقاربة تصلح ان تكون مثالا للبنت الجميلة بتربيتها واخلاقها فهي كالذهب الذي لا يكون عرضة للمس من قبل الجميع ( البنت المربية ذهب مخبية ) وكذلك قال ( البنت الحرة زي الذهب في الصرة ) . لم يهمل المثل الفلسطيني القبح كنقيض الجمال ، بل نصب ميزانه ، ومال بكفته صوب الحسن ، ليجعل القبح اعلانا واضحا عن معكوسات الصحيح من الامور ، فالجمال هو انتظام الامور في محلها ، والقبح وضع الامر في غير موضعه ، لذا يختل النظام الروحي وتنفر النفس من رؤية القبح ، وعندما يستطيل القبح على مساحة الجمال ، تهتز التصورات وتعتم الرؤية ، وينعكس ذلك على المنظر الكلي للحياة فتصبح باهته وغير ذات معنى ، من هذا يصدر المثل عجزه عن وضع حلولا تصحيحية للمسار القبيح ، والعودة بالجمال الى مساره الطبيعي ( شو تعمل الماشطة في الوجه العفش-الشنع ) . لا يقف المثل عند هذا الحد انما يؤكد حقيقة مهمة ان القبح وان جمل نفسه وادعى ما ليس له لا يمكن ان يكون جميلا لأنه خارج مسار الجمال ومقذوف عن ذوق الفطرة العام ( قرعة تتباهى بشعر بنت خالتها ) . ختاما لابد من القول ان المثل الشعبي الفلسطيني ، لم يغادر المحيط العام في رسم صور الجمال انما عمل حاله في ذلك حال الامثال العربية الاخرى داخل دائرة الوعي الجمعي والحس العام ، فكان صورة عاكسة لتقاليد وقيم وعادات وثقافات وتصورات الناس ، كما انه كان متماهيا مع امثال الشعوب ، ينسرب في اجواءها كما هي تفعل معه ، لانها تشترك بتاريخ واحد ومصالح مشتركة ولغة ام وهم مشترك . واستطاع المثل ان ينفذ الى الوجدان الانسان ويحاكي الفطرة الانسانية بما تحمله من معاني الحب والجمال ، ليرسم من خلالها لوحة القيم الجمالية .

حجز الفنادق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*