القطاعان العام والخاص.. المزاحمة المشبوهة(2-2) / بقلم : د. عبد الحسين العنبكي

سادسا: الديمقراطية متلازمة مع قطاع خاص مهيمن وليس العكس:
معظم الانظمة الديمقراطية في العالم يكون فيها القطاع الخاص هو القائد والمحرك للعمليات الاقتصادية في البلد وما الحكومة الا حارسة وراسمة للسياسات الاقتصادية الكلية وموجهة بالاتجاه المرغوب بشكل غير مباشر من خلال التلاعب بأدوات تلك السياسات، وفي بلد مثل العراق انتقل سياسياً بخطى اسرع بكثير من انتقاله الاقتصادي حتى صارت العربة امام الحصان، وصار القرار الاقتصادي اسير القرار السياسي، وصار الاثر الاقتصادي الذي يمكن ان ينعكس في معالجة الاختلالات الهيكلية المتعددة في الاهميات النسبية للتشغيل والانتاج والاستثمار والتوزيع والميزان التجاري مغيباً وبقي الاختلال قائماً، الاقتصاد الذي عاش بمعايير الربح (اللااقتصادي) لعقود معتمداً الربح الوهمي المتمثل (بالانتصارات المزعومة والقيادة الحكيمة والتعبئة الشعبية وشد الاحزمة على البطون والمرحلة الحاسمة والحصار الغاشم وسحب البساط من تحت اقدام الاعداء وغيرها من الخزعبلات) تمثل لدى نظام الطاغية (ربح غير اقتصادي) ويعتبره الاهم ومن اجله يضحي بمعايير (كلفة الفرصة البديلة) والعائد/الكلفة وغيرها من الحسابات الاقتصادية، ولذلك كان يهتم (بالانتاج مكورا) ويهمل (الانتاجية) وان كانت الوحدات الاقتصادية تغطي الخلل في انتاجيتها من موازنة الدولة، المهم انه يتشدق مثلا بامتلاكه اكبر مصنع في الشرق الاوسط للبتروكيمياويات حتى لو كان يعمل ب 10 بالمئة من طاقته الانتاجية لا يهم، واكبر ورش التصنيع العسكري حتى لو دمرت الف مرة واعيد بناؤها وهكذا، فحسابات الكلف متوقفة لديه، لان حسابات الطاغية (الكلفة/ التفاخر) و (الكلفة/ البقاء) ليس غير، وبعد تغيير النظام وخوض الكثير من تجارب الديمقراطية من وسائل التعبير والاختيار (الانتخابات) اتسعت الفجوة بين المعايير الاقتصادية والمعايير السياسية في البلد، رغم انها ضيقة جداَ في البلدان صاحبة الديمقراطيات العريقة، بل هما يسيران معاً وباتجاه واحد، اذ ان النجاح السياسي والفوز بالانتخابات يأتي من تقديم برامج اقتصادية ناجحة وبالنتيجة فان الحسابات في تلك البلدان (كلفة اجتماعية/ربح اجتماعي) متلائمة مع (كلفة اقتصادية/ربح اقتصادي) ولذلك تنمو وتتقدم البلدان بالديمقراطية لان فيها جهاز يعمل بشكل اوتوماتيكي (اليد الخفية زائدا سياسات حكومية) يولد الكفاءة،  فغير الكفوء في ادارة البلد يفشل برنامجه الاقتصادي ويحجم الناس عن انتخابه مرة اخرى، لذلك فهو يسعى جاداً للتقدم والنجاح، اما في العراق فأن الجهاز المولد للكفاءة بشكل اوتوماتيكي متوقف الى الآن، حيث لاتحرص الاحزاب على تقديم الكفوء لخدمة البلد وانما تقديم الموالي للحزب اكثر، من اجل جني المكاسب لحزبه، وهنا يكون التفكير بمصلحة البلد والاقتصاد الوطني ياتي بمراتب متأخرة،عندها يصبح القرار الاقتصادي العلمي والموضوعي مستهجناً من قبل القرار السياسي الباحث عن اجراءات شعبوية تعاظم لديه الربح الانتخابي وفق حسابات (الكلفة/أصوات الناخبين) وهذا الامر قد يحقق رضا مجتمعياً (زائفاً) في الامد القريب خاصة في اوساط البسطاء من الناس (سرعان مايزول) ويسبب في ذات الوقت خراب اقتصادي في الامد المتوسط والبعيد، ولايكمن العيب في النظام الديمقراطي ولكن في فهم الديمقراطية بعد طول انصياع للدكتاتور على انها مجرد تحرر منفلت متزامن مع احتياج حقيقي للجمهور في اشباع آني للطلب المؤجل منذ عقود يجعل عملية الاداء الديمقراطي اقرب الى الفوضى والكسب الشخصي والفئوي المنعتق من الكثير من المنظومات التشريعية وربما الاخلاقية للاسف.
وبذلك تكون المتلازمة في العراق ديمقراطية تعطل جهاز خلق الكفاءة زائداً قطاع عام يأبى التحول الى قطاع خاص، وبذلك يكون نتيجة هذه المتلازمة هدر في المال العام وفساد اداري ومالي وشراء للذمم من اجل جني الاصوات، واصبحت المؤسسات المملوكة للدولة ملكاً عضوضاً للمديرين العامين وكبار المسؤولين لممارسة الثراء، وصار البعض في النظام الجديد يجرؤ على نعت الخصخصة بانها خيانة والعولمة استعمار والانضمام الى منظمة التجارة العالمية مؤامرة مدفوعة الثمن وحرية التجارة تدمير للاقتصاد الوطني وقانون التعرفة الكمركية الذي وضعه بريمر (مدسوس)لانه يضع تعرفة 5بالمئة على كل السلع الداخلة للعراق دون تمييز وعندما اوقفناه وجئنا بقانون التعرفة الكمركية التمييزية وفق معايير اقتصادية نجحت (مافيات المتاجرة) بحشد بسطاء الجمهور ضده بحجة انه يزيد التضخم ويزيد الفقر ونست مطاليب حماية المنتج المحلي، وبذلك تكون معظم الادوات الاقتصادية التي يستخدمها الاقتصادي فيها (إنًّ كما يقول المثل ) ويجب التوقف عنها، وبذلك جرد الاقتصاديين من ادوات التغيير، فبماذا ياترى نعمل الاصلاح ونحن معاشر الاقتصاديين مجردين من القرار؟.

سابعاً: الزواج غير الشرعي بين (السلطة والمال):
لااحد يتصور ان المرتبات مهما تعاظمت تجعل من اصحابها بهذا المستوى المفرط من الثراء الذي تراه ظاهراً على بعض المسؤولين في القطاع العام لان الموقع الاجتماعي يرتب عليهم نمطا استهلاكيا يقضم معظم الراتب ولن يكون للتوفير ويعزز القدرة على الاثراء، وخلاف ذلك، يعني ان هنالك شيئاً خارج اطار الوظيفة العامة، وعندما يسعى متخذ القرار الاداري في اي مستوى الى تعزيز وضعه السلطوي الذي ربما لا تتيحه له اللوائح والتعليمات الادارية فانه يسعى الى المال ليتقوى به على الاخرين وعندما تجتمع (السلطة والمال) يحصل بينهما تعظيم للمنافع المشروعة وغير المشروعة ويوفر كل منها مسوغات لعمل الاخر بأعلى درجات التفوق فيتحول صاحبها الى دكتاتور يستطيع ان يلعب المباراة بخشونة مع غيره ممن يجمع السلطة والمال، وبالاتجاه الاخر فأن الكثير من اصحاب رؤوس الاموال في القطاع الخاص ممن لديهم (المال) ويبحثون عن السلطة وخاصة من رجال الاعمال والمستثمرين الطارئين الذين خلقتهم فوضى الانتقال نحو اقتصاد السوق، فهؤلاء لايوجد لديهم انتماء نقابي متين يشدهم الى النشاط الذي يعملون فيه ويحرصون على تطويره والرضا بالربح الاعتيادي او حتى الربح الاقتصادي وانما يطوفون فوق سطح المفاجئات ويغامرون لاقتناص الاموال بأية وسيلة ولذلك يمدون الجسور مع اصحاب السلطة او يتسلقون هم للسلطة من خلال شراء الذمم والاصوات، وهذا يعني ان اصحاب السلطة في القطاع العام يبحثون عن المال واصحاب المال في القطاع الخاص يبحثون عن السلطة فيلتقيان عند مساحة تسمى (مساحة الفساد) يحصل فيها الزواج غير الشرعي بين السلطة والمال، قد تتسع او تضيق تلك المساحة اعتماداً على مقدار جموح الفاسدين في القطاعين لتحقيق هذه الغاية، ويبقى هناك في القطاع العام موظفون شرفاء يحترمون اللوائح والقوانين ولديهم منظومة قيم اخلاقية ولديهم حرص شديد على البلد، كما يبقى هنالك في القطاع الخاص، رجال اعمال ومستثمرون شرفاء يقدسون انشطتهم ويسعون الى تطويرها ويقدمون الكثير من اجل تطوير بلدهم ويحققون ارباحا مشروعة، وفي ظل فوضى الانتقال للاسف، لانجد كثيرا من شرفاء القطاع العام يمتلكون صنع القرارات ولانجد كثيرا من شرفاء القطاع الخاص يحصلون على الاعمال والاستثمارات، واذا كانت الدولة جادة في بناء المؤسسات والاعمار والتنمية عليها ان تنتقل من الزواج غير الشرعي بين القطاعين الى الزواج الشرعي وتمكين كل منهما من ممارسة مسؤولياته وفق التوصيف المعروف، ونتخلص من الفاسدين في القطاع العام والمفسدين في القطاع الخاص.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

ثامناً: قطاع الكهرباء..مثالاً:
ان (تسونامي) الكهرباء الذي قد يحرق الاخضر واليابس في العراق كان يمكن ان يحل بسهولة وبفترة قصيرة لو تمت خصخصة قطاع الكهرباء وهو القطاع الذي بدأت به رئيسة وزراء بريطانيا (تاتشر) اولا في عملية الخصخصة، وبعد سبع سنوات واكثر من (20 مليار $) انفقت ولم نحصل على الكهرباء للشعب العراقي، والمشكلة مشكلة ادارية بحتة، نقول لهم اجعلوها لامركزية فيقولون لا يمكن ذلك فنيا فنسكت لاننا غير مختصين، ونقول لهم افسحوا المجال للقطاع الخاص فيقولون لا يمكن ذلك لانه قطاع سيادي وكأن القطاع الخاص العراقي يخل بسيادة الدولة ؟!، والنتيجة بقينا بلا كهرباء ولم نذهب الى قطاع خاص باستثمارات وعقود نظامية، ولكن الجسد الاقتصادي لشعب حي يدافع عن نفسه وينتج الكهرباء لاشباع احتياجاته، بأسلوب عفوي فوضوي يستخدمون اكثر السبل بدائية وبالزي الشعبي وبالدراجات الهوائية والعربات والادوات البسيطة التي لاتقارن بأمكانات وزارة الكهرباء (بقضها وقضيضها)، وصلنا الى العام 2011 ليكون القطاع العام يعطي (8 ساعات) كهرباء في اليوم بينما يعطي القطاع الخاص (16 ساعة) كهرباء في اليوم، بربكم: اليس هذا القطاع مخصخصاً برغم انوف الجميع ؟، اليس من حق الجمهور ان يطرد موظف الكهرباء الذي يدخل الحي لغرض الجباية، بينما يذهب الجمهور طواعية لاصحاب المولدات الكهربائية لدفع اجورهم ومعها تحية اكبار واحترام.. ألا يلجم ذلك اصحاب الاجندات المشبوهة والفاسدين، ويفتح التساؤل للخيرين عن متى تكون المحاسبة ومتى نتكاتف في ثورة الاصلاح الاقتصادي لمساندة الثلة التي تنحت في الصخر.

تاسعا: قطاع الصحة..مثالاً اخر:
لا يختلف اثنان في الاطباء المخلصين واصحاب الضمائر الحية من العاملين في المستشفيات الحكومية الذين يتقاضون فيها رواتب محددة الا ان بعضهم للاسف تحولوا الى (فتاحين فال) فهم يشخصون المرض من خلف مكاتبهم ويترفعون عن ملامسة المريض او فحصه و90بالمئة من طابور المرضى يكتب لهم (براسيتول او فلو اوت او اموكسلين) لان تشخيصهم بداء واحد اسهل على بعض الاطباء الذين قتل لديهم القطاع العام كل انواع الابداع والمبادرة في ظل ازمة ضمير طويلة الاجل، وما ان تضعهم في المستشفى الخاص حتى يتحولوا الى (اطباء حقيقيين) يحصلون على مايستحقون من عوائد وفي ذات الوقت يمارسون اقصى درجات مهنيتهم في الترحيب والفحص والتشخيص الدقيق واجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة وتسجيل الدواء الذي يعمل بالضبط لمعالجة المرض المشخص.
ترى لو عالجنا 50بالمئة من مرضى العراق بالطريقة المتقنة الثانية أليس افضل من معالجة كل المرضى بالطريقة الاولى، ولكن من ينادي بخصخصة المستشفيات العامة فانه بالتاكيد سوف يتهم بالخيانة وسوف يضج الكثير يشكون بحال الفقراء والمعدمين غير القادرين على دفع تكاليف العلاج في المستشفيات الاهلية، هذا صحيح ولكن من وضع برامج الخصخصة لم يغفل هؤلاء، وهذا يستوجب اجراءات عدة منها مثلا:
ـ لا نخرج الاطباء للمستشفيات العامة فقط بل لمستشفيات العراق كافة.
ـ لا نستورد باساليب ميسرة للمستشفيات العامة فقط بل لمستشفيات العراق كافة.
ـ لانوفر البنى التحتية والكهرباء والوقود والتسهيلات المصرفية وغيها للمستشفيات العامة فقط بل لمستشفيات العراق كافة، عندها ستنخفض كلف انتاج الخدمة في المستشفيات الخاصة ويعم الخير جميع المرضى.
ـ مسؤولية الحكومة ان تحدد ببيانات دقيقة من هم الشرائح الفقيرة لتستهدفهم من خلال التأمين الصحي في الامد القريب على ان يشمل الجميع في الامد البعيد، على شكل بطاقة يتضمن علاجهم واجراء عمليات جراحية لهم بحدود معينة خلال السنة في اي مستشفى والحساب يكون على الدولة.
ـ هنا سيكون التنافس بين المستشفيات على اساس تقديم الخدمة الافضل وتقليص الكلف وليس احتكار قلة يمارس تحقيق الربح من خلال رفع أسعار خدمة العلاج، هنا وفقط هنا ستتحقق الكفاءة في قطاع الصحة ويعود الطبيب طبيباً، فطوبا لمن يطبب جراح الوطن.

الوسوم: ,
One comment on “القطاعان العام والخاص.. المزاحمة المشبوهة(2-2) / بقلم : د. عبد الحسين العنبكي
  1. يقول مثنى الفتيان:

    احي الدكتور عبدالحسين على هذا المقال، وتمنياتي له بالموفقية لجعل هذه الطروحات لها صدى عند اصحاب القرار السياسي الشجاع، لانها من الاهمية نتمنى ان تطبق سريعا للنهوض بالعراق من واقعه الذي لايسر خصوصا تجاه هيمنة القطاع العام وتحطيم القطاع الخاص والاسباب معروفة من حيث الفساد والسيطرة والتسلط، كما اتمنى ان تكون المحكمة الاتحادية والتمييزية مؤلفة من قضاة اجانب (واقولها باسف ومرارة) متواجدين خارج العراق، لان القضاء المستقل هو مقياس تطور البلدان، اعتذاري لكل اعضاء المحكمتين فليس هم المقصودين ولكن تعرضهم للتهديدات المستمرة قد لايمكنهم من اداء دورهم بشكل مستقل، طلبي من السيد رئيس الوزراء المحترم ان يقرب اليه مثل الدكتور عبد الحسن والذي نراه مناسبا لاستلام وزارة التخطيط خصوصا. مع فائق التقدير
    مثنى الفتيان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*