العرب والتجربة العراقية / بقلم : عروبة جميل محمد

من بين ما أنتجه الربيع العربي هو سيطرة الطبقة الوسطى على المشهد السياسي في البلدان العربية،لكون هذه الطبقة هي من صنعت التغيير،وبالتالي فإن بروزها مسألة طبيعية جداً تفرضها آليات الانتخابات الديمقراطية التي بدأت تأخذ حيزها الطبيعي في البناء المؤسساتي للدولة العربية الجديدة. والطبقة الوسطى العربية هنا تمثل فيما تمثله الإسلام السياسي الذي تمكن حتى هذه اللحظة من أن يشكل قوة مهيمنة على الساحة السياسية في العالم العربي بشكل ربما أثار هواجس البعض  ومخاوف البعض الآخر .ولم يسأل البعض لماذا أخذت الأحزاب الإسلامية زمام مبادرة قيادة الطبقة الوسطى في العالم العربي؟ بينما وجدنا بأن هذه الطبقة في أورابا لم تقدها الكنيسة أو الأحزاب الدينية المسيحية؟ الجواب يكمن بأن اتساع وحجم الطبقة الوسطى كبير جداً في المجتمعات العربية بسبب انعدام الرؤية الاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها أن تدعم هذه الطبقة بشكل يؤمن لها مصادر الدخل الثابتة والكافية في نفس الوقت ويبعد عنها شبح الضائقة المالية في أية لحظة، وقد لاحظنا كيف اندثرت الطبقة الوسطى وتلاشت في العراق في ما بعد عام 1991 وتأثيرات الحظر الاقتصادي إلى درجة بات راتب الأستاذ الجامعي أقل من عشرة دولارات في الشهر وهذا ما ترك تداعيات كبيرة جداً في التركيبة الاجتماعية للمجتمع العراقي وانحدر بالطبقة الوسطى لدرجة الفقر المدقع وسط تضخم اقتصادي كبير جدا.
وهذه الحالة تنطبق أيضاً على مصر في ظل ما تعانيه هذه الطبقة من فقر وانعدام موارد وسط تضخم كبير في الأسعار وكذلك تونس وبقية البلدان العربية. وهذا ما يجعلنا نستنتج بأن شكل الدولة العربية ذات الطابع الشمولي كانت تسعى لتفكيك البناء الاجتماعي وصناعة مجتمع جديد من السهل السيطرة عليه وترويضه لصالحها من خلال إلغاء الطبقة الوسطى التي تعتبر المحرك الأساسي لأي تغيير. بينما نجد في أورابا الشرقية عندما انهارت النظم الشمولية لم تكن هنالك تداعيات كبيرة، لأن عملية بناء المجتمع كانت صحيحة بدرجة كبيرة جدا،صحيح إن أورابا الشرقية كانت تحكمها أنظمة شمولية لكنها في كل الأحوال لم تفكر بصناعة مجتمع يتماشى معها عبر الآليات الاقتصادية واستخدام الموارد كعصا تقود بها الشعوب كما هو الحال في عالمنا العربي.وبالتالي فإن عملية الانتقال من الشمولية للديمقراطية في أورابا الشرقية لم تكن تحتاج لأكثر من أن تعيد الأحزاب قراءة المشهد بشكل آخر وتعيد ترتيب أوراقها على ضوء حاجة المجتمع لوجودها.
بينما في عالمنا العربي بعد التغيير الذي شهدته المنطقة وجدنا الكثير من الأحزاب لم تحاول التَكيف مع الواقع الجديد لا سيما الأحزاب اليسارية والليبرالية ففسحت المجال أمام الأحزاب الإسلامية التي تمثل جزءا مهما من الطبقة الوسطى من أن تتصدر قوائم الانتخابات وهذا ما شاهدناه في الانتخابات التونسية الأخيرة،وما سنشهده في الانتخابات المصرية القادمة وما يمكن أن يحدث في لبيبا مستقبلاً.وبالتأكيد فإن البعض ربما تفاجأ بفوز الإسلاميين في تونس،وهذه المفاجأة تكمن بعدم وجود قراءة صحيحة لطبيعة المجتمع العربي، خاصة وإن الكثير من المفكرين والكُتاب العرب للأسف الشديد أهمل التجربة العراقية ولم يعرها الاهتمام المطلوب خاصة في مخرجاتها وممارساتها الديمقراطية،نقول لم تنل التجربة العراقية القراءة الحقيقية من قبل المفكرين و الكُتاب العرب وتعالوا عليها كثيراً لأسباب عديدة أهمها طبيعة التفكير الذي ساد العقلية العربية بعد سقوط نظام صدام ، والجانب الثاني والمهم جداً هو عدم شعور الكُتاب العرب حتى المستقلين منهم بأن رياح التغيير ستصل بلدانهم ولو بعد حين، وبالتالي فإن إهمالهم لقراءة مخرجات الانتخابات العراقية جعلهم لا يعرفون ماذا سيحصل في بلدانهم التي طالتها رياح التغيير وباتت كل الأحداث تشكل مفاجأة لهم.

مقالات عروبة جميل محمد

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*