العراق السياسي وحديث الفصل السابع / بقلم : علي حسن الفواز

دخل حديث  الفصل  السابع من ميثاق  الامم المتحدة  الى  ذاكرة القهر السياسي  العراقي، حتى صار جزءا من  يوميات السياسة وغموضها واسئلتها، وجزءا  من الهموم  العامة  والخاصة  التي  ظلت تقترن  بالمشكلات  التي تعانيها  السياسة  العراقية والاقتصاد  العراقي، وحتى في علاقات  العراق  الدولة ومفاهيم  سيادته  واستقلاله..
الفصل  السابع في الميثاق الاممي  يعني مجموعة  من الاجراءات والعقوبات التي  تتخذها  الامم المتحدة ازاء  الاعمال والسياسات  التي تهدد  السلم  والامن الدوليين والاخلال بهما، والتعمّد في خرق قوانين  التعايش واسس ومصالح  الشعوب والعلاقات  الدبلوماسية بين الدول وصولا الى  العدوان  العسكري، فمواد  هذا  الفصل ترتبط بكل ما في هذه  التوصيفات السياسية  والقانونية والعسكرية، وهو ما حدث  بعد غزو  صدام لدولة  الكويت في 2/اب/1990 والذي  فتح  الباب لسلسلة طويلة من السياسات  الدولية والعقوبات من قبل  المجتمع  الدولي وصولا  الى ايقاع  فعل  الحرب في 17/كانون  الثاني/1991 لاخراج  الجيش  العراقي من  الكويت  بالقوة  العسكرية.
واجه  العراق بعد  احداث الغزو عام 1990 73 قرارا دوليا من  مجلس الامن الدولي، اخطرها وضع العراق تحت احكام مواد الفصل  السابع والتي توجب اللجوء  الى  القوة لغرض تنفيذها، اذ كان هذا  التموضع مسبوقا  بقرارات عدة منها القرار 660 الذي طالب فيه مجلس الامن العراق بالانسحاب من  الكويت، والقرار 661 الذي وضع  العراق تحت الموجهات  القانونية للفصل السابع، وصولا  الى  القرار678 في كانون  الثاني عام 1991 الذي صرح لقوات  التحالف بدء  العمليات  العسكرية ضد  الجيش  العراقي  في  الكويت..
هذه القرارات  الدولية اكتسبت  طابعا  سياسيا معقدا، ليس لاقترانها بمجموعة من الاجراءات الدولية، بل لان معطيات الصراع الاقليمي وخطورته باتت تضغط  باتجاه اعادة رسم خارطة  جديدة  للمنطقة، والعمل على خلق توازنات تتوائم مع انهيار  الاتحاد السوفيتي  السابق، ومع ضرورة منع نشوء اية ظاهرة  للعسكرتاريا  في منطقة ستراتيجية مهمة كالخليج، تكون عنصر تهديد لدوله، للممر  النفطي  العالمي والذي  يتدفق منه اكثر من  ثلث احتياجات  النفط  العالمي.
معطى  التوجهات  السياسية لقرارات  مجلس الامن  الدولي تحول  الى قوة معنية داعمة لبناء منظومة امنية  في  المنطقة، والى فرض اشكال من التابعية التي باتت الولايات  المتحدة تسعى  اليها، خاصة بعد  تفردها في الهيمنة  العالمية واختلال التوازنات  القطبية.
وهذا بطبيعة اعطى  للقرار  الدولي حافزا سياسيا، وحتى الاجراء  العسكري ضد  العراق كان في جوهره اجراء سياسيا، فالكثير من  مواد  الفصل السابع لاتحدد الزاما المباشرة  باستخدام  القوة، ومنها المواد  39-42 والتي لم  تجز  القوة، بل اوجبت استخدام  العقوبات، مثل عقوبات اقتصادية، جزائية، اتصالية، وبطرق تمنع شلّ الحركة  الكاملة  للدولة الخاضعة لمثل  هذه  العقوبات.
كما ان  المادة 43 من الفصل  السابع تشير الى ذلك عبر ثلاث فقرات، اذ ورد في الفقرة الاولى ما يدعو  لوضع مايلزم من  القوات المسلحة حفاظا على السلم والامن  الدوليين ازاء  التهديدات التي تقوم بها دول معينة ضد دول اخرى، وتشير  الفقرة  الثانية الى تحديد نوع هذه  القوات وعددها وسلاحها وكفاءتها وقدرتها  العسكرية على مواجهة استمرار  الخطر  الدولي، وتشير الفقرة  الثالثة  الى العمل على اجراء المفاوضات مع هذه  الدولة، باتجاه نزع فتيل  الازمة..كما ان  المادة 44 والمادة 45 تشيران الى جاهزية الامم المتحدة  للقيام  بعمل عسكري في حال عدم تنفيذ ماورد  في  المواد اعلاه..
اعطاء البعد  السياسي لقرارات مجلس الامن  الدولي، تحول الى صناعة  القوة، والى خلق الاجزاء  المناسبة للبدء بالعمليات  العسكرية، وتحت يافطات وجود التهديد  الذي يمثله  العراق دوليا واقليميا بحيازته لاسلحة  الدمار  الشامل، وغزوه  الكويت، وتهديده  المستمر  لجيرانه، وعدم انصياعه لقرارات الامم  المتحدة..

العراق  السياسي والعراق الاقتصادي..

قرارات مجلس  الامن الدولي ازاء  العراق ماكانت  لتحدث لولا طبيعة  الممارسات  السياسية  التي اقدم  عليها النظام  الدكتاتوري السابق، والتي تحولت الى نوع من  المواجهة المستمرة سياسيا واقتصاديا وامنيا،  بما  فيها  القرارات  التي اتخذت فيما  بعد، والتي عمدت  الى فرض  العقوبات الاقتصادية والسياسية، ومنع  العراق السياسي من  التحكم  بموارده  الاقتصادية، او ايجاد  الآليات لفرض اشكال من  التعويض الاقتصادي لصالح  الدول والاشخاص الذين  تضرروا جراء  الغزو  العسكري، خاصة تلك  القرارات  التي ارتبطت بمنع استيراد كل  المواد  التي تدخل في مجال  الصناعات  المزودجة الاستخدام، بما  فيها  المواد  الطبية، والتي انعكست  سلبا على  الواقع  الاقتصادي والاجتماعي، وخلقت  الكثير من الازمات الصحية التي ارتفعت في ضوئها اعداد  الوفيات وتعرضت  البنية  الصحية  وخدماتها الى مشكلات خطيرة تسببت عن ارتفاع معدلات  الامراض والوفيات بين  النساء والاطفال، وهو مااقرته منظمات الصحة  العالمية واليونسيف..
منعكسات  الواقع  السياسي تحولت  الى ازمات اقتصادية، بدءا من القرارات  التي  تتعلق باستقدام  المفتشين  الدوليين للتفتيش عن  اسلحة  الدمار الشامل في  العراق، ومراقبة مؤسساته، وانتهاء بالقرار الخاص للسماح  للعراق 1997 بتوريد جزء من نفطه  لتطبيق  قانون  النفط مقابل الغذاء والدواء كما تحولت  الى منطقة هشة بسبب طبيعة القرائن  السياسية  الضاغطة التي تحوطها من جانب، وكذلك طبيعة  المشكلات  المعقدة  التي بات يعانيها  العراق السياسي على مستوى البيئة والصحة والاجتماع والثقافة والسلم الاهلي، فضلا عن  السياسات التعويضية  التي فرضت على العراق بدفع 5 بالمئة من اموال واردات  النفطية الى  الكويت وبأقيام تجاوزت 48  مليار دولار..
كل  هذه  المعطيات وضعت  العراق السياسي امام مقدمات  للانهيار  الدولتي التي اسهمت  في تفكيك  البنى  العميقة، وايجاد  التبريرات لانهاء شكل  النظام الذي تحول بؤرة لتوليد  الازمات وهو ماحدث فعلا في  التاسع من  نيسان 2003 اذ كان اسقاط  النظام تعبيرا  سياسيا ورمزيا اكثر مما هو  تعبير عن  صراع عن صراع بين ارادات مختلفة..

الفصل السادس الاكثر برودة..

يمكن تشبيه السعي لنقل العقوبات المفروضة على  العراق دوليا من  الفصل  السابع  الى الفصل السادس شكلا من اشكال الانتقال  الى المنطقة  الباردة، اذ ان  الفصل السادس من ميثاق الامم  المتحدة يعني اعادة توصيف لطبيعة الازمة، حيث يعنى بالعمل على حل  النزاعات حلا سلميا وليس عسكريا كما في الفصل  السابع، ابتداء من المادة 33 ولغاية 38 من هذا الفصل والتأكيد على حل النزاع بين دولتين او اكثر بالطرق السلمية والالتزام بمعالجة تداعياتها على وفق السبل  المناسبة، اي ان اعادة توصيف هذه الازمة  سينقلها من طابعها الدولي الى طابعها  الثاني  المحصور بين دولتين تعمل المتحدة على تشجيعهما على بدء علاقات  سياسية واقتصادية وامنية جديدة  بعيدا عن  التهديدات والازمات..
كما  ان هذا الانتقال  سبقته مجموعة من الاجراءات  التي تمثلت باصدار مجلس الامن  عدد من  القرارات  الدولية التي تمهد لايجاد واقع جديد باتجاه حل النزاع  بين  الدولتين ومنها القرار 1483 الذي انهى بموجبه التدابير التي اطلقها مجلس الامن في قراراته  السابقة المتعلقة بالعقوبات المفروضة على العراق. وكذلك  القرار  1762 في  التاسع والعشرين من حزيران عام 2007 والذي انهى بموجبه اعمال لجان التفتيش  الدولية  الخاصة باسلحة  التدمير الشامل..
وانتهاء بالقرار 1959 في 23 من كانون الاول 2008 والذي قدمته  الولايات المتحدة وبريطانيا ووافقت عليه  الدول الاخرى في مجلس الامن، والذي ينص على ان  العراق لم  يعد يشكل خطرا على الامن والسلم  الدوليين.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*