الطبيعة تنتخب.. نحن ننتخب ( نوزاد حسن

في موقف طريف وجد الكاتب اليوناني الكبير كازانتزاكي نفسه وهو في فتوته جالسا في حضرة كاهن القرية مع اثنين من اصدقائه عاهدا الكاتب على ان يكونا معا للدفاع عن اي انسان مظلوم.
وكانت المشكلة ان معلما في القرية ذهب الى المدينة وتعرف على فتاة هناك تاركا خلفه زوجته القروية. شعر الفتيان الثلاثة بالقهر ازاء هذا الظلم وقصدوا الكاهن متحدثين بحماس كي يساعدهم للتدخل في حل هذا الانحلال الاخلاقي. ويبدو ان الكاهن العجوز ابتلي بفتيان آخرين يقصدونه اعتقادا منهم ان الكاهن لديه سحره الخاص لحل اية مشكلة تصادفه او تصادفهم. استمع الكاهن بصبر وقال لكازانتزاكي: “كلنا بدأنا هكذا”. وهذه الجملة تلخص رحلة انطفاء حماس العمر بمرور الوقت.
في السياسة يحدث الشيء نفسه دون اي تغير. اعني يكون الحماس في البدء لاذعا كوجبة هندية حراقة. حديث عن العدالة المفقودة رغم ان التاريخ فيه صفحات مشرقة. تكتل سياسي متفق على اهم القضايا التي تخص الوطن. وفي النهاية تكون النتيجة خلاف ما قيل من قبل.
اذن في كل مرحلة تكون البداية انقلابا على الظلم لكن النتائج لا تتفق مع حماس البدايات. لسان السياسة لا يقول دائما ما قاله الكاهن العاجز في قرية منسية، لذا يمكننا القول ان الجميع بدؤوا بكره الظلم وانتهوا بانطفاء شعلته وتحولها الى رماد.
لو نظرنا الى ما يجري على الارض من مشاكل سياسية لوجدنا ان لا مجال لحلها رغم ان النظام ديمقراطي كما يقال. اذن ما المشكلة ما دام الجميع يقولون ما يريدون ويصنعون بايديهم الحكومة التي يريدونها؟.أنقول ان الانتخاب الذي نمارسه كل اربعة اعوام هو صورة شكلية او عبثية لا قيمة لها؟.
كان داروين يقول ان الطبيعة تنتخب الانواع التي تستطيع ان تتصارع وتتنافس مع غيرها للحصول على الطعام والماء، اما الانواع الضعيفة فستموت.
في السياسة تنقلب الصورة التي شاهدها داروين في الطبيعة او في الغابة، اذ قد نقوم نحن بكامل ارادتنا وننتخب من لا يستحق ان يصل الى البرلمان، وقد حصل هذا الخطأ في ما سبق. اما في قوانين الطبيعة فلا وجود للمجاملة ولا لشراء الاصوات كي يعيش من لا يستحق ويموت من يستحق الحياة.
الضعيف لا يقوى على البقاء لان الطبيعة حددت مصادر البقاء والحياة، اما القوي فينمو ويتناسل مورثا احسن صفاته للاجيال من بعده.
كل هذا الذي يحصل على مستوى التطور الطبيعي يخالف ما يحصل على المستوى الانساني والديمقراطي.عندنا حالة خوف مزمنة يتم استغلالها بشكل جيد من قبل بعض الكائنات السياسية الضعيفة التي وصلت الى السلطة من دون ان تصدق. لا يمكن ان تدع الطبيعة نمرا ضعيفا يدخل الى حديقة الحياة اعتباطا كما دخل عشرات وعشرات الى سور السلطة وحصلوا على امتيازات لم يكونوا يحلمون بها ابدا.
المهم ان لا ننخدع بالكلام، ولا ننخدع بالحماس الذي ينطفئ ويتحول الى خبرة فارغة تسحر القليلين لكنها في النهاية تترك اثرها الضار الذي نرجو ان ينتهي.
ليتنا ننتخب بقوة الطبيعة فلا ندع الضعفاء يدخلون الى بساتين الحكم فينهبون منها ما يشاؤون، ولو فعلنا هذا لتساوت الفرص ولصارت العدالة غاية نركض وراءها جميعا.
تذكروا كاهن كازانتزاكي العجوز المنطفئ.

حجز الفنادق

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*