الشعب السوري ومعركة الحرية والكرامة ( كريم عبد

خلال ثلاثين سنة من حكمه، أراد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد تجميد الأزمة الداخلية عند نقطة معينة، نقطة هي أقرب إلى التأجيل منها إلى التجميد، فتجميد الأزمات أو جعلها في حالة مراوحة، يكاد يكون مستحيلاً خصوصاً في ظل أنظمة الحزب الواحد، لأن الأحزاب الإنقلابية هي أساساً من ظواهر الأزمة ولم تكن في أي بلد آخر، من أدوات الحل، والسبب يكمن في جوهر الثقافة الإنقلابية التي تنظر للدولة وأجهزتها بصفتها وسيلة للهيمنة على المجتمع ومصادرة حقوق المواطنين المدنية والسياسية، وليست طرفاً دستورياً محايداً كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية.  ومن هنا بدأت تنشأ السلطة المطلقة وتتضح ملامح الديكتاتورية، أي من ثقافة الهيمنة والتحكم بمصائر المواطنين وحقوقهم التي تصبح ملكاً شخصياً للحاكم، وذلك عبر تكييف الدستور والقوانين المتفرعة عنه بحيث جعلت البلد وما فيه تحت إشراف حزب البعث! فلم تعد للدولة شخصية حقوقية مستقلة يمكن أن يعود إليها المواطن إذا لحقه حيف معين، بل تحولت إلى مجرد أجهزة حزبية وأمنية، وهي المشرف والممول لمنظمات المجتمع المدني أيضاً، بدءاً بإتحاد الكتاب العرب مروراً بالنقابات وليس إنتهاءً بالمؤسسات الدينية، ناهيك عن غياب حرية التعبير أو تشكيل الأحزاب .. الخ. 
لقد كُرّست الأيديولوجيا الواحدة بخطابها الإنتهازي المراوغ على حساب التنوع السياسي والتعددية الثقافية التي ميّزت المجتمع السوري بحكم طبيعة تكويناته المعروفة أسوة بغالبية المجتمعات الإنسانية، ومن هنا نشأ الإختناق السياسي ليبقى الرفض كامناً كالنار تحت الرماد. 
ولكي ينهي نظام الأسد الأب ظاهرة الانقلابات والانقلابات المضادة التي تتميز بها الأنظمة المشابهة، قام بربط مصالح ومصير قادة المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية بمصير النظام نفسه، وذلك من خلال توريط الجميع بعمليات استثمار النفوذ السياسي لخدمة المصالح الشخصية للمسؤولين من خلال ربطها بالتجار والمقاولين وكبار المستثمرين ناهيك عن الامتيازات التي تقدمها الدولة لهؤلاء المسؤولين.   
وإذا كان نظام البعث قد نجح في تهميش الأحزاب الأخرى وتحويلها إلى ملحق تابع عبر ما يسمى (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)، فإن نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات شهدت تحركاً واضحاً لمعارضة يسارية ركزت في أدبياتها على نقاط عدة، كان أهمها فضح عملية تشويه المجتمع السياسي عبر ما سمته (تحالف أجهزة المخابرات وبيروقراطية الدولة مع التجار والمستثمرين) محذرة أيضاً من (توريط الطوائف) عبر تركيز سلطة الأجهزة بيد مسؤولين من طائفة الرئيس بينما غالبية أبناء الطائفة ذاتها تعيش حالة فقر واضح في الأرياف وضواحي المدن. 
ورغم إن غالبية السجناء اليساريين في تلك الفترة هم من أبناء (الطائفة العلوية) لكن (الأخوان المسلمين) لم يستطيعوا فهم خطاب اليسار السوري الأقرب إلى الواقع، بل اعتمدوا على التحريض الديني الذي أتضحت أهدافه من خلال تحريك المدن ذات الأكثرية السنية بما سهّل للنظام كيل الإتهامات لهم وإباحة دمائهم بقسوة شديدة.
لقد تمكّنت أجهزة النظام من قمع الطرفين بلا هوادة، قمعاً مبرمجاً أدى إلى تشتيت المعارضة من خلال خنقها في السجون أو دفعها إلى المنافي وكانت حالة الطوارئ قائمة قبل (الحركة التصحيحية) وبعدها.
وبينما ظلت الأزمات تتراكم وترتفع معدلات البطالة ومن يعيشون حالة الفقر وتحت خط الفقر، دأب الإعلام السوري على إبتكار مقولات غير واقعية عن عبقرية حافظ الأسد ومنها، مقولة (سوريا كانت ملعباً فأصبحت لاعباً)! وهي مقولة مبالغ فيها، بل هي تنتمي إلى الأوهام السياسية التي يُراد منها تغطية الأزمات الداخلية، لأن دول المنطقة عموماً خاضعة لمصالح القوى الدولية النافذة، ولم يكن بوسع أحد أن يتحرك بعيداً عن شروط اللعبة الدولية التي ميزت فترة الحرب الباردة، بل إن نظامي البعث في سوريا والعراق كانا من أكثر الأنظمة استفادة من تلك الحقبة حيث استثمرا عداءهما المعروف وقمعهما المستمر لليسار في البلدين، لمصلحة تقربهما إلى الغرب، أي إلى اللاعبين الدوليين الكبار، أي الإمبريالية التي كانا يعلنان عداءهما لها. 
وإذا أردنا أن نوافق جدلاً على مقولة (سوريا كانت ملعباً فأصبحت لاعباً)، فالواقع يشير إلى إن النظام السوري لم يلعب في مواجهة الأعداء بل تلاعب بالشعارات، وتلاعب بمصير الشعب السوري مورطاً طوائفه بعضها بالبعض الآخر، وكان وما يزال يتلاعب بمصير الشعب اللبناني ومصير الشعب العراقي بعد سقوط نظام صدام، مسجلاً نجاحات لا يستهان بها في التضليل الإعلامي بزعم (المقاومة والممانعة) ونصرة الشعب الفلسطيني، وبدعم الأجهزة السورية دخل الآلاف من الإرهابيين وعاثوا في العراق قتلاً وتخريباً. 
وقد أبدى النظام ممانعة حقيقية في إعطاء الشعب السوري أي هامش من الحرية، ووقف دائماً ضد أية جهود لتجاوز عوامل الأزمة اللبنانية، بل أستثمر مأساة الحرب اللبنانية الداخلية لمصلحته وكان أحد عوامل تأجيجها. وبدل مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، عملَ دائماً على إلحاق المنظمات الفلسطينية بسياسته أو بالأحرى بتجارته السياسية المعروفة. 
وإذا كانت القاعدة المعروفة تقول: السياسة الخارجية هي إنعكاس للسياسة الداخلية، فإن صدقية ذلك تتجسد واقعياً في عدم وجود أية دولة في العالم تنخرها أزمات الفساد واستغلال النفوذ وتسلط الأجهزة الأمنية على الإعلام والثقافة والاقتصاد، وتمتلك في نفس الوقت سياسة خارجية ناجحة، ولذلك أعتمد النظام السوري على مناورات سياسية وشعارات قومية تضليلية فانتقل من مقولة (الصمود والتصدي) إلى (الممانعة) ثم ها هي علاقاته الإقليمية والدولية تتفكك مع استمرار الانتفاضة الشعبية، بل وأصبح مصيره يناقش علناً في الأروقة الدولية بينما تُرجمت شعارات التصدي والممانعة إلى مشاهد مأساوية لآلاف الضحايا الهاربين من البطش في مخيمات اللجوء في تركيا وسواها.
لقد أدى استمرار حكم الحزب الواحد لخمسين سنة إلى خلل كبير في الحياة السياسية والاجتماعية، ولذلك وكلما اقتربنا من حقائق الواقع نرى إن الأزمة السورية تبدو مسدودة من الجانبين، أي من جانب النظام ومن جانب المعارضة الحزبية التقليدية! كيف؟ المعارضة السورية في غالبيتها هي أحزاب أيديولوجية (دينية وعلمانية) سبق لها وأن فشلت في الاستيلاء على الدولة فيما نجح حزب البعث في ذلك، لقد نجح حزب البعث ليفشل المجتمع السوري في استرداد حريته وحقوقه منذ 1963! 
ولذلك جاءت الإنتفاضة الحالية من الشارع، أي من الجمهور غير المسيس، إنتفاضة سلمية برنامجها وهدفها وشعارها هو الحرية والكرامة، إنها محاولة جديدة على طريق إنقاذ الشعب السوري من تبعات خمسين سنة من حكم الإستبداد والمعاناة الشاقة.
إن الشعب السوري يخوض الآن معركة الحرية والكرامة بشجاعة نادرة، وهو سينتصر حتماً، لكن الأزمة السياسية لا يمكن أن تنتهي حتى بعد سقوط النظام إذا استمرت الكيانات الحزبية كما هي. ففي خضم الإنتفاضة والمأساة الناتجة عن أعمال التنكيل الرهيبة من قبل الأجهزة الأمنية، لا بدَّ من التفكير بالمستقبل القريب، فهذا الشكل من الأنظمة أصبح من عالم الماضي وهو لا يملك سوى أن يسقط، وما هذا أسلوبه القمعي الشرس إلا إعلان رعب من السقوط الذي ينتظره. سيسقط النظام لأنه لم تعد لأية جهة مهمة، داخلياً وخارجياً، مصلحة في بقائه.
إن المسؤولية تحتم على (المجتمع السياسي) السوري المعارض وخصوصاً الكفاءات الأكاديمية والثقافية والسياسية المستقلة أن تكون في سباق مع الزمن لترتيب البديل القادر على تحمل مسؤولية مرحلة إنتقالية ذات مناعة من الاختراقات المتوقعة وغير المتوقعة، خصوصاً تصعيد النزعات الطائفية التي ربما تجرجر الجميع إلى ما لا يُحمد عقباه، أو تلك النزعات التسلطية التي قد تظهر هنا وهناك.
إن خيار المستقبل المتاح هو الدولة المدنية والنظام الديمقراطي، ولذلك يجب التأكيد على المبادئ الأربعة التي لا بد منها، وهي التبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الإقتراع، والقضاء المستقل، والحريات العامة، والحريات الفردية.
لا بدَّ إذاً من تشكيل أحزاب مدنية ديمقراطية تمثل القوى الحية للمجتمع السوري. فما هو تفسير غياب مثل هذه الأحزاب ؟! السبب هو إن الديكتاتورية عندما يطول بها الزمن تقوم بتفكيك القوى الحية وتشويه بنية الطبقات الاجتماعية، فتنشأ جراء ذلك طبقات مشوَّهة مرتبطة بالسلطة من جهة، دون أن يكون لها موقع في مراكز القرار. ومرتبطة بالمجتمع من جهة أخرى دون أن تكون ممثلة لطموحاته ومصالحه المشروعة! 
لا بدَّ إذاً من أحزاب مدنية ديمقراطية فلا يمكن بناء الديمقراطية من دون ديمقراطيين.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*