الريح والعاصفة في أحداث باريس ! / بقلم : عادل العامل

تؤكد الأحداث الإرهابية التي جرت في فرنسا، وبلجيكا، ومن قبلهما بريطانيا، والولايات المتحدة، وإسبانيا، ودول أوروبية أخرى على حقيقة صادمة، لكنها منطقية في نهاية الأمر. وهي مصداق للمثل القائل بأن مَن يزرع الريح يحصد العاصفة! والريح هنا هو استعمار هذه الدول الغربية للبلدان النامية، كالجزائر، والمغرب، والعراق، وأفغانستان، وغيرها، أما العاصفة فهذه العمليات الإرهابية داخل هذه الدول أو ضد مصالحها في الخارج، وربما ما هو أسوأ!
وقد لا يبدو الأمر هكذا لأول نظرة إلى تلك الأحداث.. إذ ما علاقة شاب أسود يحاول أن يشعل فتيل قنبلة في حذائه وهو في طائرة أميركية، مثلاً، أو مصري أخواني يشارك في تفجيرات مترو لندن، أو مغربي يعيش في بلجيكا ويدبر أعمالاً دموية ضد أبرياء في شوارع باريس، مثلاً، بالاستعمار القديم لبلدان تبعد عنه آلاف الأميال!؟.
الأمر ليس هكذا بطبيعة الحال، فالمسألة ليست رداً على ما فعله المستعمرون الفرنسيون، أو البريطانيون، أو الأميركيون أو غيرهم، بشعوب هذه البلدان من استغلال، وقتل، وتدمير (الفرنسيون كلّفوا الجزائر وحدها مليون ونصف مليون قتيل عدا الخراب الذي أحدثوه في البلد)، ولا هي غزو «إسلامي» لبلاد النصارى، كما يتبجح قادة تنظيم داعش وصبيانه في أقاويلهم العنترية الإعلامية.
فالاستعمار الغربي، وربما كل استعمار، لا يكتفي بامتصاص دماء الشعوب المستعمَرة من خلال استنزاف طاقتها البشرية، واستغلال ثرواتها الطبيعية، وتدمير روحها المعنوية، بل يحاول أن يبقيها مرتبطةً به بعد استقلالها، عن طريق عقد معاهدات نفعية معها، أو إشاعة لغته وثقافته وسطها، أو فرض عملاء له من أبناء البلد على سدة الحكم فيها، أو منحها امتيازات محسوبة مثل السفر إلى بلد الاستعمار السابق من دون تأشيرة أو موافقة مسبقة، والسماح لأبنائها بالعمل والإقامة فيه، زيادةً في امتصاص الطاقات المادية والفكرية للشعوب المستعمرة
سابقاً.
وقد تكونت بمرور الزمن جاليات كبيرة من هؤلاء في فرنسا، وبلجيكا، وألمانيا، وغيرها. وكان من الطبيعي ألا تندمج هذه الجاليات مع المجتمعات الأوروبية لاختلافها العميق عنها فكراً، وديناً، وتقاليدَ، وطريقة عيش، وتتجمع في أحياء منعزلة من المدن الأوروبية.
وإذا كانت حياة الجيل الأول من هؤلاء المهاجرين أسهل وأقل مشاكل، فذلك لأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للشعوب الأوروبية كانت أفضل، واصطدامها بسلوكيات الغرباء أقل. غير أن الأمور تغيرت كثيراً بعد عقود من الزمن بالنسبة للمجتمعات الأوروبية التي تأثرت كثيراً بالأزمات الاقتصادية، والسياسية، المحلية والعالمية، وكان نصيب أبناء الأجيال التالية من المهاجرين، العرب والمسلمين بوجهٍ خاص، من تلك التغيرات السلبية أكبر وأشد إيلاماً. وأصبح كثيرون منهم، نتيجةً لازديادهم وبطالتهم وسوء أوضاعهم المعيشية والتعليمية والنفسية، في حالة متدهورة من الشعور بالتهميش، والضياع، واليأس. وذلك، باختصار، ما سهّل للجريمة والمخدرات والفكر الديني المتطرف الانتشار في صفوفهم، وهو ما يقرأه المرء عموماً من سيرة حياة أي واحد من مرتكبي الأعمال الإرهابية في أوروبا بصورة خاصة. أما نظراؤهم في البلدان العربية والإسلامية، فلهم أسباب أخرى للتحول نحو الإرهاب، إضافةً لبعض العوامل الآنفة الذكر.
ولستُ هنا في معرض مناقشة أسباب نشوء الإرهاب أكثر من ذلك، وإنما الإشارة إلى أن الغرب الآن في ورطة كبيرة جداً، فقد انقلبت عليه الطاولة بقديمها وجديدها من الخطط والحسابات، وامتدت الفوضى «الخلاقة» إليها كما تمتد النار إلى أي مكان ملوث بالزيت حتى لو كان عبر البحار، لأنه موجود هناك أصلاً بفعل نفس العوامل التي لوّثته في الشرق الأوسط أو غيره من بقاع الأرض التي مر بها
الاستعمار.

حجز الفنادق

استضافة المواقع و تسجيل النطاقات

إعلان

الوسوم: ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*